يقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧].
قيل إن هذه الآية نزلت فى الذين جادلوا رسول الله ﷺ فى أمر عيسى وقيل فى أمر مدة هذه الأمة «١».
وقد رجح الطبرى السبب الثانى لأن أمر عيسى ﵇ قد بينه الله لنبيه فهو معلوم لأمته بخلاف أمر هذه الأمة فإن علمه خفى عن العباد «٢».
واختلف العلماء فى المحكمات والمتشابهات على أقوال عدة نحو العشرة «٣» نذكر منها ما يلى:
١ - قال جابر بن عبد الله وبه قال الشعبى والثورى: المحكمات من آى القرآن ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه وذلك مثل قيام الساعة وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى. وهذا ما رجحه القرطبى وابن حجر والمتقدمين «٤».
٢ - قال أبو عثمان: المحكم فاتحة الكتاب التى لا تجزئ الصلاة إلا بها.
٣ - قال محمد بن الفضل: سورة الإخلاص لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط.
_________________
(١) البحر المحيط ٢/ ٣٨٤، فتح البارى ٨/ ٥٨ (٦٥) كتاب التفسير، القرطبى ٤/ ١٠ وما بعدها، تفسير الطبرى ٢/ ٢٦٥، طبعة دار الغد العربى، الجصاص ٢/ ١٠.
(٢) تفسير الطبرى ٢/ ٢٦٥، القرطبى ٤/ ١٠، الكشاف ١/ ٣٣٨.
(٣) فتح البارى ٨/ ٥٨.
(٤) القرطبى ٤/ ٨ فتح البارى ٨/ ٥٨.
[ ٦٣ ]
٤ - وقد قيل: القرآن كله محكم لقوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [هود: ١]. وقيل كل متشابه. لقوله تعالى: كِتابًا مُتَشابِهًا [الزمر: ٢٣].
وقد رد القرطبى هذين القولين بقوله (وليس هذا من معنى الآية فى شىء. فإن قوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أى فى النظم والوصف وأنه حق من عند الله. ومعنى كِتابًا مُتَشابِهًا أى يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا. وليس المراد بقوله آياتٌ مُحْكَماتٌ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ هذا المعنى وإنما التشابه فى هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه من قوله: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا [البقرة: ٧٠]. أى التبس علينا أن يحتمل أنواعا كثيرة غير البقر، والمراد بالمحكم ما فى مقابلة هذا وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا «١»).
وقد اختلف العلماء فى استنباط حكم الخوض فى تفسير المتشابه من الآيات إلى فريقين وسبب الخلاف يرجع إلى الوقف الوارد فى الآية فقد روى ابن عباس أن النبى ﷺ وقف على قوله إِلَّا اللَّهُ ثم استأنف وَالرَّاسِخُونَ. وعلى هذا الوقف قوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ابتداء كلام مقطوع عما قبله وهذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم وهو مذهب الكسائى والأخفش والفراء وأبى عبيد وغيرهم «٢».
لذلك يقول الجصاص: فمن قال بالقول الأول- يعنى الوصل- جعل الراسخين فى العلم عالمين ببعض المتشابه وغير عالمين بجميعه «٣».