لم يكن النقط والشكل " أي الاعجام والحركات " معروفا قبل الاسلام فكانوا يقرؤن على الوجه الصحيح حسب الفطرة والغريزة فلما انتشر الاسلام واختلط العرب بالعجم طرأ عليهم الخطأ والتصحيف فاحتاجوا إلى وضع علامات تقيهم من ذلك فاخترعوا النقط والشكل
[ ١٧٩ ]
(وسبب تشكيل المصحف) ان زياد بن سمية وكان واليا على البصرة لما رآى ظهور الخطأ عند العرب طلب من ابى الاسود الدؤلى ان يضع طريقة لاصلاح الالسنة عند القراءة فلم يجبه إلى طلبه فدبر زياد حيلة فقال لرجل من أتباعه اقعد على طريق ابى الاسود واقرأ شيئا من القرآن وتعمد اللحن ففعل الرجل ذلك وقرأ " ان الله برئ من المشركين ورسوله " وكسر اللام فلما سمعه أبو الاسود اعظم ذلك وقال عز وجه الله تعالى من أن يبرأ من رسوله فذهب من فوره إلى زياد وقال له قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ باعراب القرآن فابغنى كاتبا فبعث إليه ثلاثين كاتبا فاختار واحدا منهم وقال له خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد فإذا رأيتنى فتحت شفتي بالحرف فانقط واحدة فوقه وإذا كسرتهما فانقط واحدة أسفله وإذا ضممتهما فاجعل النقطة بين يدى الحرف فان تبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين وأخذ يقرأ بالتأني والكاتب يضع النقط وكلما اتم صحيفة اعاد أبو الاسود نظره عليها واستمر على ذلك حتى أعرب المصحف كله وترك السكون بلا علامة فأخذ الناس هذه الطريقة عنه وكانوا يسمون هذه النقط شكلا ثم تفننوا في هيئة النقط فمنهم من جعلها مربعة ومنهم من جعلها مدورة ثم زادوا علامات في الشكل إلى ان وصلت الينا بهذه الصورة التى نستعملها اليوم
[ ١٨٠ ]
(وسبب نقط المصحف) أن الناس مكثوا يقرؤن في مصاحف عثمان ﵁ نيفا واربعين سنة ثم كثر التصحيف بالعراق ففزع الحجاج (١) إلى كتابه في زمن عبد الملك وسألهم ان يضعوا علامات لهذه الحروف المشتبهة ودعا نصر بن عاصم الليثى ويحى بن يعمر العدواني (وهما ممن اخذ عن ابى الاسود) لهذا الامر وكانت عامة المسلمين تكره ان يزيد احد شيئا على ما في مصحف عثمان ولو للاصلاح وتوقف كثير منهم في قبول الاصلاح الاول الذى ادخله أبو الاسود فبعد البحث والتروى قرر نصر ويحى ادخال الاصلاح الثاني وهو أن توضع النقط افرادا وازواجا لتمييز الاحرف المتشابهة كالدال والذال فالاولى تهمل والثانية تعجم من فوق بنقطة واحدة وهكذا في بقية الحروف وجرى الناس عليه إلى الآن غير ان هناك اختلافا بين الفاء والقاف بين المشارقة والمغاربة فالمشارقة ينقطون الفاء بواحدة من فوق والقاف بنقطتين من فوق ايضا والمغاربة ينقطون الفاء بنقطة واحدة من أسفل والقاف بنقطة واحدة من فوق ولا ضرر في اصطلاحهم حيث أمن اللبس والاشتباه عندهم.
_________________
(١) توفى الحجاج بن يوسف الثقفى في شوال سنة خمس وتسعين للهجرة وكان من حفاظ القرآن المعدودين. (*)
[ ١٨١ ]
ومن اراد زيادة البحث في هذا الموضوع فعليه بمطالعة كتابنا تاريخ الخط العربي وآدابه فقد بسطنا القول فيه هناك.
والذى يغلب على ظننا والله اعلم بغيبه انه كما ادخل النقط والشكل
في المصاحف سيأتي على الناس زمان يدخلون فيها علامات الترقيم كعلامة الاستفهام والتنصيص والتأثر وقد ذكرناها مفصلا في كتابنا تاريخ الخط العربي وآدابه فراجعه.
والحقيقة لا نرى بأسا في ادخالها في المصاحف لانها من دواعى سرعة الفهم ومن محسنات الكتابة لا دخل لها في جوهر الحروف والكلمات ولا تغير اللفظ ولا المعنى فيكون ادخالها في المصاحف كادخال النقط والشكل ووضع علامات التجويد فوق الكلمات وعلامات الضبط فيها.