بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين حمدا يليق بعظمته وجلاله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وصحبه وآله (وبعد)
فلقد وفقنا الله تعالى لكتابة القرآن العظيم (١) الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتبناه على وفاق رسم المصحف العثماني ناقلين عن المصحف الذى طبعته الحكومة المصرية سنة ألف واثنين وأربعين هجرية تحت إشراف مشيخة الازهر المعمور ومشيخة المقارئ العمومية، لان اتباع رسمه واجب بالاجماع وإن كتب بعض كلماته على غير طريقتنا المتبعة " ولدا يقال "
_________________
(١) انتهينا من كتابة هذا المصحف الكريم في ختام عام ألف وثلثمائة واثنين وستين هجري وقد تألفت لجنة من قبل الحكومة للعناية بتصحيحه، وهو أول مصحف كتبناه كما هو أول مصحف سيطبع بمكة المشرفة ان شاء الله تعالى في عام ١٣٦٦ هـ (*)
[ ٢ ]
خطان لا يقاس عليهما خط المصحف وخط العروض (١) والمراد بالمصحف العثماني مصحف عثمان بن عفان ﵁ الذى أمر بكتابته وجمعه وكانوا يسمونه " المصحف الامام " (٢)
_________________
(١) أي لا تقاس كتاباتنا العامة على خط المصحف العثماني لمخالفته القواعد الاملائية في بعض الكلمات كما بينا ذلك مفصلا في هذا الكتاب، وكذلك لا تقاس كتاباتنا على خط العروض لانه يكتب على حسب الملفوظ به فمثلا هذا البيت تلق الامور بصبر جميل * وصدر رحيب وخل الحرج فان العروضيين يكتبونه هكذا تلقق ل امور بصبرن جميلن وصدرن رحيبن وخلل ل حرج ومثله هذا البيت لا تسأل المرء عن خلائقه * في وجهه شاهد من الخبر فانهم يكتبونه هكذا لا تسأل ل مرء عن خلائقهى * في وجههى شاهدن من ل خبرى (٢) الاصل في هذه التسمية ما جاء في بعض الروايات ان عثمان بن عفان ﵁ لما بلغه اختلاف المعلمين في القرآن قال عندي تكذبون به وتلحنون فيه فمن نآي عنى كان اشد تكذيبا واكثر لحنا يا اصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس اماما - واما سبب تسميته بالمصحف فانه لما جمع أبو بكر ﵁ القرآن قال سموه فقال بعضهم سموه انجيلا فكرهوه وقال بعضهم سموه السفر فكرهوه فقال ابن مسعود رأيت بالحبشة كتابا يدعونه المصحف فسموه به (*)
[ ٣ ]
من حيث اتباعه رسما وكتابة (١) وهو يشمل جميع المصاحف التى كتبت بأمره ﵁ وارسلت إلى الامصار، وقال بعضهم انه خاص بمصحفه الذي كان يقرأ فيه.
هذا ولما شرعنا في كتابة مصحفنا المذكور ووصلنا إلى نحو خمسة اجزاء منه، وجدنا في الرسم العثماني العجب العجاب، ورأيناه جديرا بدراسته وتحقيق النظر فيه، وحريا بأن تؤلف فيه رسالة خاصة تطبع وتنشر في الاقطار الاسلامية - فألفنا هذا الكتاب واستقصينا جميع انواع الكلمات المخالفة لقواعد كتاباتنا، اللهم الا ماشرد عن
النظر وغاب عن الفكر والحق يقال - ان في رسم المصحف العثماني يقف الفكر حائرا، والذهن تائها، إذ أنه في نفسه لا قاعدة له - فمثلا نجد كلمة " كتاب "
_________________
(١) فان قيل ان المصحف العثماني الامام لم يكن فيه نقط ولا شكل ولم تكن فيه ارقام للآيات ولا علامات للاجزاء والاحزاب فكان الواجب حذف هذه الاشياء من المصاحف اتباعا للمصحف العثماني - نقول - ان هذه الامور حدثت فيما بعد حيث اختلفت الالسن باختلاط العرب بالعجم لانتشار الاسلام فخوفا من التصحيف والالتباس في كلمات القرآن اخترعوا هذه الاشياء التى هي ليست داخلة في جوهر الحروف وانما هي من العلامات الدالة على القراءة الصحيحة فصار وضعها من اللازم وسنتكلم عنها مفصلا في الخاتمة ان شاء الله تعالى وكان تقسيم القرآن إلى اجزاء واحزاب في زمن الحجاج (*)
[ ٤ ]
مرسومة في جميع القرآن بغير ألف ما عدا اربعة مواضع (١) فانها مرسومة بالالف نحو " لكل أجل كتاب " وكلمة " قال " مرسومة في جميع القرآن بالالف ما عدا خمسة مواضع (٢) فانها بحذف الالف نحو " قل رب احكم بالحق " وكلمة " أيها " مرسومة في جميع القرآن بالف بعد الهاء ما عدا ثلاثة مواضع (٣) فانها بحذف الالف نحو " أيه الثقلان " وكلمة " ابراهيم " مرسومة في سورة البقرة هكذا " ابرهم " وفي بقية القرآن هكذا " ابرهيم " وكلمة " يا ابن أم " مرسومة في سورة طه هكذا " قال يبنؤم " وفي الاعراف هكذا " قال ابن أم " وكلمة " ما نشاء " مرسومة في سورة هود هكذا " ما نشؤا " وفي سورة الحج هكذا " ما نشاء " وكلمة " الامثال " مرسومة بالالف بعد الثاء ومرسومة بحذف الالف.
وحذفت الواو والياء من آخر هذين الفعلين " ويدع الانسان - فهو يشفين " من غير علة إلى غير ذلك من الكلمات التى قد تكتب في بعض المواضع بشكل وفى بعضها بشكل آخر مع ان الكلمة هي هي بعينها لم تتغير (٤) فمن يرشدنا إلى سبب هذا التغاير في رسم المصحف العثماني الا الصحابة
_________________
(١) (١ و٢ و٣) ذكرنا هذه المواضع كلها في آخر الفصل الثاني من الباب الخامس (٤) انظر في الجدول الثاني في الفصل الثاني من الباب الرابع، وانظر ايضا في الفصل الرابع من الباب الخامس في بعض غرائب الرسم العثماني (*)
[ ٥ ]
الذين كتبوه بأمرنا عثمان وهذا إذا قاموا من قبورهم ولقد صدق من قال " كما ان للقرآن معجز في ذاته فخطه معجز ايضا " وإلى هذا المعنى اشار العلامة الشيخ محمد العاقب بن ما يأبى الشنقيطى دفين فاس رحمه الله تعالى بقوله.
والخط فيه معجز للناس * وحائد عن مقتضى القياس
لا تهتدى لسره الفحول * ولا تحوم حوله العقول
قد خصه الله بتلك المنزله * دون جميع الكتب المنزله
ليظهر الاعجاز في المرسوم * منه كما في لفظه المنظوم
والحقيقة ان تأليف كتابنا هذا هو من بركة كتابتنا للمصحف المذكور حيث كنا نتبع فيه الرسم العثماني كلمة كلمة، ولولاه لما كنا ندرك معنى الرسم العثماني ووجهة مخالفته لقواعد املائنا - وغاية ما كنا نعرف ان نحو * كتاب، وابراهيم، واسماعيل، واسحاق وهارون، وسليمان،،، مكتوب في المصحف بغير ألف، اما غيرها فلا تقع اعيننا عليه لتعود ألسنتنا على القراءة الصحيحة - والسبب في عدم ملاحظتنا هيئة رسم الكلمات في المصحف هو عدم الاعتناء بتعليم القراءات وفن الرسم وعلم التجويد حتى اندثرت من غالب البلاد الاسلامية وربما كانت مصر هي الوحيدة في المحافظة على هذه العلوم.
[ ٦ ]
وهذا الكتاب هو أول كتاب من نوعه فانه لم يؤلف في هذا الموضوع على نمطه كتاب من قبل - نعم لقد ألف علماء القراءات المتقدمون في رسم المصحف العثماني مؤلفات جليلة وحصروا مرسوم القرآن كلمة كلمة على هيئة ما كتبه الصحابة ﵃ بحيث لم يفهم شئ منه، الا انهم لم يبحثوا عنه كما بحثنا، ولم يقارنوا بين مرسومه كما قارنا - على اننا لا ندعى المعرفة اكثر منهم بل نمشي على ضوئهم مع ما يفتح الله به علينا من فضله الواسع فهو الفتاح العليم لا راد لفضله.
ولقد بسطنا القول في هذا الكتاب عن القرآن العظيم من جميع نواحيه بسطا وافيا ولم نتعرض للناسخ والمنسوخ ولا لوجوه القراءات وتراجم القراء لان كلا من ذلك فن مستقل بذاته يحتاج إلى مؤلف خاص، وجعلنا في ذيله هامشا لزيادة الايضاح وتمام الفائدة، وحصرناه في ستة ابواب وخاتمة تحت كل باب جملة فصول، وسميناه " تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه " نسأل الله الحى القيوم أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به من طالعه بقلب سليم، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة ويسترنا في الدارين، ويجعلنا من الذين لا خوف عليهم
ولا هم يحزنون، وأن يحشرنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين
[ ٧ ]
والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا آمين، وصلى الله على نبينا محمد أبى القاسم الامين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
" وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب "
غرة جمادى الثانية سنة ١٣٦٥ هجرية
المؤلف
محمد طاهر الكردى
الخطاط بالمعارف العامة بمكة المكرمة
[ ٨ ]