لقد وجد فى ترتيب سور القرآن الكريم ثلاثة أقوال:
الأول: يرى أن ترتيب السور كلها بتوقيف من النبى ﷺ كترتيب الآيات القرآنية تماما، وأنه لم توضع سورة فى مكانها إلا بتوجيه منه﵊- ويستدل أصحاب هذا القول بما يلى:
إن الصحابة أجمعوا على المصحف الذى كتب فى عهد عثمان ولم يخالف منهم أحد رضوان الله عليهم، وإجماعهم لا يكون إلا إذا كان الترتيب الذى أجمعوا عليه عن توقيف، ولأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بمخالفتهم، لكنهم لم يتمسكوا بترتيبهم بل عدلوا عنه، وأحرقوا الصحف التى كانت معهم، ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه.
وذكر أصحاب هذا القول روايات تؤيد هذا الإجماع؛ منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن حذيفة الثقفى قال: كنت فى الوفد الذين أسلموا من ثقيف- وجاء فى هذه الرواية- فقال لنا رسول الله ﷺ: «طرأ علىّ حزب من القرآن فأردت ألا أخرج حتى أقضيه» فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ قلنا: كيف تحزّبون القرآن؟ قالوا نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة، وحزّب المفصل من «ق» حتى تختم. قالوا: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو فى المصحف الآن كان على عهد رسول الله ﷺ، واحتجوا كذلك بأن السور المتجانسة فى القرآن لم يلتزم فيها الترتيب والولاء، ولو كان الأمر بالاجتهاد للوحظ مكان هذا التجانس والتماثل دائما، لكن ذلك لم يكن بدليل أن سور المسبّحات لم ترتب على التوالى بينما هى متماثلة فى افتتاح كل منها بتسبيح الله. بل فصل بين سورها بسور «قد سمع»، و«الممتحنة»، و«المنافقون»، وبدليل أن «طسم الشعراء» و«طسم القصص» لم يتعاقبا مع تماثلهما، بل فصل بينهما بسورة أقصر منهما وهى «طس» وأيد هذا المذهب أبو جعفر النحاس فقال: والمختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ﷺ لحديث واثلة: «أعطيت مكان التوراة السبع الطوال»، وكذلك انتصر أبو بكر الأنبارى لهذا المذهب فقال: أنزل الله القرآن إلى سماء الدنيا ثم فرقه فى بضع
[ ٦٥ ]
وعشرين سنة فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابا لمستجد، ويوقف جبريل النبى ﷺ على موضع السورة والآيات والحروف كله من النبى ﷺ فمن قدم سورة أو أخرها أفسد نظم القرآن.
وأخرج ابن أشتة فى كتاب المصاحف من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت البقرة وآل عمران وقد أنزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة وإنما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم من ألفه به إلى أن قال: فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه.
ويناقش أصحاب هذا القول بأن الرواية التى ساقوها وأمثالها خاصة بمحالّها، فلا ينسحب حكم التوقيف على الكل. ثم هى ظنية فى إفادة كون الترتيب عن توقيف، وأن حديث ابن عباس والذى جاء فيه قوله: قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثانى وإلى براءة وهى من المئين ففرقتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموها فى السبع الطوال؟ فقال عثمان ﵁: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا أنزل عليه شىء دعا بعض من يكتب فيقول: «ضعوا هذه الآيات فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا»، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها فقبض رسول الله ﷺ، ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتهما فى السبع الطوال، فهذا الحديث من ابن عباس صريح فى أن عثمان قد اجتهد فى ترتيب الأنفال والتوبة ويونس.
كما يناقش أصحاب هذا القول بأن الإجماع الذى استندوا إليه لا يدل علي توقيف فى ترتيب جميع السور؛ لأنه لا يشترط أن يسند الإجماع إلى نص فى ترتيب جميع السور، فحسب الصحابة أن يحملهم الاجتهاد الموفق على أن يجمعوا على ترتيب عثمان للسور ويتركوا ترتيب مصاحفهم، توحيدا لكلمة الأمة، وقطعا لعرق النزاع والفتنة إذا ترك كلّ ورأيه فى هذا الترتيب.
وأما القول الثانى: فيرى أصحابه أن ترتيب بعض السور كان بتوقيف من النبى ﷺ، وترتيب بعضها الآخر كان باجتهاد من الصحابة، وقد ذهب إلى هذا
الرأى مجموعة
[ ٦٦ ]
من العلماء، ويرى بعض المحدثين أنه أمثل الآراء، ويعلل ذلك بأنه وردت أحاديث تفيد ترتيب البعض- كما مر بنا في الرأى السابق والقائل بالتوقيف- وخلا البعض الآخر مما يفيد التوقيف بل وردت آثار تصرح بأن الترتيب فى البعض كان عن اجتهاد، كالحديث السابق المروى عن ابن عباس ﵄، ولكن المؤيدين لهذا القول اختلفوا فى السور التى جاء ترتيبها عن توقيف، والسور التى جاء ترتيبها عن اجتهاد، فقال القاضى أبو محمد ابن عطية: إن كثيرا من السور قد علم ترتيبها فى حياة النبى ﷺ كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وأما سوى ذلك فيمكن أن يكون فوّض الأمر فيه إلى الأمة بعده.
وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية، ويبقى فيها قليل يمكن أن يجرى فيه الخلاف كقوله ﷺ: اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران» رواه مسلم. وكحديث سعيد بن خالد: قرأ رسول الله ﷺ بالسبع الطوال فى ركعة، رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه وفيه: أنه﵊- كان يجمع المفصّل فى ركعة.
وروى البخارى عن ابن مسعود أنه قال: قال ﷺ فى بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: «إنهن من العتاق الأول وهن من تلادى»، والعتاق: جمع عتيق وهو القديم من كل شىء، والمراد بالعتاق- هنا: ما نزل أولا، والتّلاد ضد الطارف وهو:
المستحدث من المال ونحوه، والمراد بالتلاد هنا: ما نزل أولا- أيضا- وفى الحديث:
«هن من تلادى» يعنى: السور أى من الذى أخذته من القرآن قديما. فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها.
وفى صحيح البخارى أنه ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ: «قل هو الله أحد، والمعوّذتين».
القول الثالث: فيرى أن ترتيب السور كان باجتهاد من الصحابة رضوان الله عليهم، وينسب هذا القول إلى جمهور من العلماء منهم: مالك والقاضى أبو بكر فيما اعتمده من قوليه، وإلى هذا المذهب يشير ابن فارس فى كتاب المسائل الخمس بقوله:
جمع القرآن على ضربين:
أحدهما: تأليف السور كتقديم السبع الطوال، وتعقيبها بالمئين فهذا هو الذى تولّته الصحابة ﵃، وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات فى السور فذلك شىء تولاه النبى ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه ﷿. ودليلهم على هذا ما يلى:
[ ٦٧ ]
أولا: أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة فى ترتيب السور قبل أن يجمع القرآن فى عهد عثمان، فلو كان هذا الترتيب توقيفيا منقولا عن النبى ﷺ ما ساغ لهم أن يهملوه، ويتجاوزوه، ويختلفوا فيه ذلك الاختلاف الذى تصوره الروايات؛ فهذا مصحف أبى بن كعب روى أنه كان مبدوءا بالفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام .. إلخ، وهذا مصحف على كان مرتبا على النزول فأوله «اقرأ» ثم «المدثر» ثم «ق» ثم «المزمل» ثم «تبت» ثم «التكوير»، وهكذا إلى آخر المكى والمدنى.
ثانيا: ما جاء فى المصاحف من طريق إسماعيل بن عباس عن حبان بن يحيى عن أبى محمد القرشىّ قال: أمرهم عثمان أن يتابعوا الطوال فجعل سورة الأنفال وسورة التوبة فى السبع، ولم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم، وهو يشير بهذا إلى ما رواه أحمد والترمذى والنسائى وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثانى، وإلى براءة وهى من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ؟ وقد ذكرنا هذه الرواية بتمامها فى مناقشة القول الأول.
ويناقش هذا القول وهذا المذهب بالأحاديث الدالة على التوقيف- والتى ذكرناها فى القولين السابقين- كما يناقش دليلهم الأول باحتمال أن اختلاف من خالف من الصحابة فى الترتيب إنما كان قبل علمهم بالتوقيف، أو كان فى خصوص ما لم يرد فيه توقيف دون ما ورد فيه. كما يمكن مناقشة دليلهم الثانى بأنه خاص بمحل وروده، وهو سورة الأنفال والتوبة ويونس فلا يصح أن يصاغ منه حكم عام على القرآن الكريم كله.
وبعد أن عرضنا للأقوال الثلاثة بأدلتها، ومناقشة هذه الأدلة نذكر ما قاله السيوطى ﵀ فى هذا فيقول: والذى ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقى وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفى إلا براءة والأنفال، ولا ينبغى أن يستدل بقراءة سور أوّلا على أن ترتيبها كذلك، وحينئذ فلا يرد حديث قراءة النساء قبل آل عمران، لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجب ولعله فعل ذلك لبيان الجواز.
والإمام الزركشى يرى: أن الخلاف من أساسه لفظى، فقال فى البرهان: والخلاف بين الفريقين- أى القائلين بأن الترتيب عن اجتهاد، والقائلين بأنه عن توقيف- لفظى لأن القائل بالثانى يقول: إنه رمز إليهم ذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته،
[ ٦٨ ]
ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبى ﷺ مع قوله بأن ترتيب السور كان باجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قوليّ أو بمجرد إسناد فعلىّ بحيث يبقى لهم فيه مجال للنظر، وتبعه فى ذلك جعفر بن الزبير.
وحتى لو قيل بالاجتهاد من الصحابة فى بعض المواضع من الترتيب فقد علمنا من قبل أن اجتهاد الصحابة قائم على الاتباع، وعلى ما ألفوا وسمعوا من رسول الله ﷺ وليس اجتهادا قائما على الرأى والهوى.
وسواء أكان ترتيب السور توقيفيا أم اجتهاديا، فإنه ينبغى احترامه، خصوصا فى كتابة المصاحف؛ لأنه عن إجماع الصحابة- رضوان الله عليهم- والإجماع حجة، ولأن خلافه يجر إلى الفتنة، ودرء الفتنة وسد ذرائع الفساد واجب.
أما ترتيب السور فى التلاوة فليس بواجب، إنما هو مندوب قال الإمام النووى فى كتابه البيان: قال العلماء: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران، ثم ما بعدها على الترتيب سواء أقرأ فى الصلاة أم فى غيرها، حتى قال بعض أصحابنا: إذا قرأ فى الركعة الأولى سورة قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) [الناس] يقرأ فى الثانية بعد الفاتحة من البقرة، قال بعض أصحابنا: ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التى تليها، ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة، فينبغى أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة، يقرأ فى الأولى سورة السجدة، وفى الثانية: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ، وصلاة العيد فى الأولى «ق» وفى الثانية: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وركعتى الفجر فى الأولى: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) وفى الثانية: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)، وركعات الوتر فى الأولى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)، وفى الثانية: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١)، وفى الثالثة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) «والمعوّذتين». ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلى الأولى، أو خالف الترتيب فقرأ بسورة قبلها جاز، فقد جاءت بذلك آثار كثيرة، وقد قرأ عمر بن الخطاب ﵁ فى الركعة الأولى من الصبح بالكهف، وفى الثانية بيوسف. وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قيل له: إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا فقال:
ذلك منكوس القلب.
[ ٦٩ ]
وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فممنوع منعا متأكدا؛ لأنه يذهب بعض ضروب الإعجاز، ويزيل حكمة ترتيب الآيات.
وأما تعليم الصبيان من آخر المصحف إلى أوله فحسن، ليس هذا داخلا فى قولنا، وذلك من باب تسهيل الحفظ عليهم.
وننتقل بعد هذا لنرتع فى روضات القرآن الكريم مع آياته الكريمة وسوره المباركة على حسب نزولها.
[ ٧٠ ]