وبعد سورة الطارق مع هذا البيان الذى فصّل للناس فيها تنزل سورة القمر لتذكر الناس باقتراب الساعة وظهور أدلة صدق النبى ﷺ وإعراض المشركين وتقديم أخبار السابقين من الهالكين حتى يكون لهم فى أنبائهم مزدجر، فالسورة مكية كلّها فى قول الجمهور. وأما مقاتل «فيستثنى ثلاث آيات هى قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) فيقول مقاتل فى ذلك: ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال: نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه فأنزل الله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) ولكن القرطبى لا يرى صحة هذا «١» ويورد قول سعيد بن جبير قال سعد بن أبى وقاص: لما نزل قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) كنت لا أدرى أىّ الجمع ينهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبى ﷺ يثب فى الدرع ويقول: «اللهم إن قريشا جاءتك تحادّك وتحادّ رسولك بفخرها وخيلائها فأخنهم «٢» الغداة» - ثم قال: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)» فعرفت تأويلها.
وهذا من معجزات النبى ﷺ؛ لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر. وقال ابن عباس:
كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين فالآية على هذا مكية «٣». وفى البخارى عن عائشة أمّ المؤمنين ﵂ قالت: لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة وإنى لجارية ألعب:
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)، وعن ابن عباس أن النبى ﷺ قال وهو فى قبّة له يوم بدر: «أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا» فأخذ أبو بكر ﵁ بيده وقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك؛ وهو فى الدّرع فخرج وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ يريد القيامة وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) أى أدهى وأمرّ مما لحقهم يوم بدر «٣».
وفى سبب نزولها أخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن أنس: أن أهل مكة سألوا
_________________
(١) تفسير القرطبى ١٧/ ١٢٥، ١٤٦، وفتح القدير ٥/ ١١٩.
(٢) أخنى عليه الدهر: أى أتى عليه وأهلكه ومنه قول النابغة: «أخنى عليه الذى أخنى على لبد». تفسير القرطبى ١٧/ ١٤٦.
(٣) القرطبى ١٧٠/ ١٤٦.
[ ٢٥٤ ]
رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما»، وروى عنه من طريق أخرى عند مسلم والترمذى وغيرهم وقال: فنزلت: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وأخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ:
اشهدوا» وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى فى الدلائل عنه قال: رأيت القمر منشقا شقتين مرّتين: مرّة بمكة قبل أن يخرج النبى ﷺ: شقة على أبى قبيس، وشقة على السويداء وذكر أن هذا سبب نزول الآية «١» ويعلق القرطبى على الروايات التى وردت فى انشقاق القمر فيقول: «وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة وهو ظاهر التنزيل، ولا يلزم أن يستوى الناس فيها؛ لأنها كانت آية ليلية، وأنها كانت باستدعاء النبى ﷺ من الله تعالى عند التحدى «٢».
فظهور هذه الآية الحسية الباهرة كان كافيا لتحريك القلوب وتسليم أصحابها وإيمانهم، ولكنّ كثافة الكفر على القلوب جعلت هؤلاء ينسبون هذه الآية إلى السحر، قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ وقالوا: إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين، نصف على أبى قبيس ونصف على قعيقعان، فقال لهم رسول الله ﷺ: «إن فعلت تؤمنون» قالوا: نعم. وكانت ليلة بدر فسأل رسول الله ﷺ ربه أن يعطيه ما قالوا؛ فانشق القمر فرقتين، ورسول الله ﷺ ينادى المشركين: «يا فلان يا فلان اشهدوا»، وفى حديث ابن مسعود: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ، فقالت قريش: هذا من سحر ابن أبى كبشة؛ سحركم فاسألوا السّفّار فسألوهم فقالوا:
قد رأينا القمر انشق فنزلت: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا أى إن يروا آية تدل على صدق محمد ﷺ أعرضوا عن الإيمان وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) فالآيات مع أمثال هؤلاء. لا تغنى فالإعراض والتكذيب واتباع الهوى حجب تحول بين الإنسان وبين الإيمان والنظر العقلى. وإذا كانت الآيات الحسية لا تغنى مع هؤلاء فإنهم كذلك لا يعتبرون بالأنباء التاريخية وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥). وأمام
_________________
(١) فتح القدير ٥/ ١٢٣.
(٢) القرطبى ١٧/ ١٢٦.
[ ٢٥٥ ]
هذا الإعراض والادعاء والاتهام بالسحر والتكذيب واتباع الهوى وما يتبع ذلك من تحديات كان التخفيف على النبى ﷺ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ثم يكون الترهيب بالمصير الذى إليه يصيرون: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨).
وتعرض السورة الكريمة أنباء السابقين مع تنوع أحوالهم، ووجوه الشبه فى أفعالهم وأفعال هؤلاء المشركين، فهؤلاء قوم نوح كذبوا نوحا وقالوا مجنون فكانت عاقبتهم الإهلاك غرقا، ونجّى الله نوحا والذين آمنوا معه، ويسر الله القرآن وما تضمنه من المعانى للذكر فهل من متّعظ معتبر: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧).
كما تذكر السورة تكذيب عاد وكيف أهلكهم الله بريح صرصر فى يوم نحس مستمر: كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢).
وأما ثمود فكذبوا كذلك ونظروا إلى رسولهم نظرة ليست صحيحة، فقالوا: هل نتبع واحدا منا، وهل خصّه الله بالذكر من بينهم، وأرسل الله إليهم آية حسية تتمثل فى الناقة فعقروها فأهلكهم الله بالصيحة: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. كما قدمت السورة الكريمة أنباء قوم لوط وتكذيبهم وأفعالهم وكيف أهلكهم الله كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا
[ ٢٥٦ ]
فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠).
ومع ما قدمته السورة الكريمة من أنباء السابقين الذين كذّبوا رسلهم فأهلكهم الله ومن هؤلاء آل فرعون الذين كذبوا فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. وبعد تقديم أنباء هؤلاء تستخلص العبرة فهل الكفار المعاصرون لنزول القرآن الكريم خير من أولئك أم لهم براءة مكتوبة من الهلاك والعذاب؟ أم يعتدون بقوتهم وجمعهم، فقد كان السابقون أشد منهم قوة؟! إن سنة الله ماضية فى أخذ الكافرين بأعمالهم ومعاقبة المجرمين بضلالهم قال تعالى: وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨).
وبعد هذا البيان لعاقبة الكافرين فى الدنيا وفى الآخرة. يخاطب الناس بما يذهب الهمّ ويبدّد الحزن إنه الإيمان بالقدر إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وأن قضاء الله فى خلقه أسرع من لمح البصر وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) فهل يعى المشركون ذلك ليحذروا من الاستمرار فى غيهم وأما المؤمنون فإنهم يطمئنون إلى نصر الله وفرجه القريب والتمكين لهم فى الأرض.
لقد أهلك الله أشباه الكافرين من الأمم الخالية وكل ما فعلوه لا ينسى وإنما هو مسطور. وتبقى العاقبة للمتقين وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥).
[ ٢٥٧ ]