وبعد أن تعرفنا على مجموعة المسائل التى عرضتها سورة النجم؛ ومنها ما يتعلق بالوحى وتنزيه النبى ﷺ عن الضلال، والاطمئنان على مسيرة الوحى من الله سبحانه إلى رسوله ﷺ، وأن طريق المعرفة اليقينية بعلم الغيب هو ما يخبر به رسول الله ﷺ عن ربه، وتعرفنا على حال الناس مع وحى الله بين مستجيب ومعرض ووصف المستجيبين والمعرضين تثبيتا لمن استجاب وتوجيها وتحريكا لمن أعرض حتى يفكر فى أمر نفسه ونجاتها لعله أن يهتدى. والإعانة على ذلك بتقديم مجموعة من آيات الله سبحانه فى الكون وفى النفس وفى سننه مع خلقه وفى المعاش والمعاد.
تستمر سورة «عبس» فى مخاطبة المستجيبين والمعرضين لتربية الفرد والجماعة، ولإرساء قيم الإسلام فى حياة الناس وسلوكهم. فهى مكية فى قول الجميع، ونزلت بعد سورة «النجم» واسمها من أول كلمة فيها تحكى حدثا ملفتا فمن الذى «عبس» أى قبض وجهه تكرها- كما يقول الطبرى «١»؟ إنه صاحب الخلق العظيم والذى عرف بالرحمة واللين. ولذلك فإن السورة الكريمة تثير الانتباه، وتربى بموقف من مواقف الدعوة يتعرض لقيم عاش عليها الناس قبل الإسلام، وتحكمت في حياتهم وأوقعتهم فى كثير من المظالم، فليكن هذا التوجيه بارزا بهذا الموقف، وليكن الطرف الأهم فيه رسول الله ﷺ والطرف الثانى رجل من أتباعه أسلم وحسن إسلامه وذاق حلاوة النقلة إلى وحى الله والعيش فى ظل طاعته، وطلب المزيد مما يزكى قلبه فجاء يسعى وهو يخشى يطلب الذكرى كشأن من ذاق حلاوة الإيمان من المؤمنين فقد سارت الدعوة وجرت فى دمائهم وصارت حلاوة الإيمان فوق ما يواجهون به من تحديات. وجاء وصف هذا الطرف الثانى للموقف بأنه أعمى. وهذا الوصف يفيد فائدتين: الأولى: التنبيه إلى القيمة الاجتماعية التى تكون لمثله فى مجتمع ما قبل الإسلام وقيمه. الفائدة الثانية:
بيان ما يمكن أن يكون من نتائج العلاقة بين «عبس» و«الأعمى» فإن الذى لا يرى لن يكون تأثيره بقبض الوجه تكرها كتأثير غيره.
_________________
(١) تفسير الطبرى ٣٠/ ٥٠.
[ ٢٠٠ ]
أما الطرف الثالث فى هذا الموقف فيتمثل فى جماعة من المعرضين عن وحى الله جاء وصفهم بالاستغناء وسواء كان هذا الاستغناء بالثروة والمال، أو الاستغناء عن وحى الله وتوجيهاته والإصرار على ما هم عليه من جاهلية، فإن النتيجة واحدة فى انشغالهم وإعراضهم عن وحى الله ودعوة رسوله ﷺ.
أحببت أن أقدم لأطراف الموقف التربوى هذا قبل أن أذكر الموقف بأحداثه لأبرز المعنى الذى قد يغطّى عليه فى غمرة ما قيل من أن الموقف عتاب للنبى ﷺ، وهو أن الموقف يعلى من قيمة جديدة جاء بها الإسلام فى علاقة العبد بربه سبحانه وفى علاقة الناس ببعضهم فيكون قدر الإنسان فى إيمانه وتقواه. ويبطل الموقف قيمة جاهلية فى وزن الناس بمقدار ما يملكون من مال وما ينتمون إليه من عصبية وهذه القيمة الجاهلية وقفت عقبة أمام الكثير منهم، وحرمتهم من الدخول في دين الله والنجاة به خشية أن يكون بجوار مثل هذا الأعمى فضلا عن أنها أفسدت علاقة الناس ببعضهم، وما تبع هذا الفساد من مظالم شتى ولما كان هذا متحكما فى الناس لم يكن تغييره يسيرا. بل احتاج إلى توجيهات متعددة وبأساليب متنوعة وبتطبيقات عملية من رسول الله ﷺ والذين معه- كما سنرى بعد قليل- ومنها هذا الموقف التربوى فى قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦).
قال المفسرون: أتى رسول الله ﷺ ابن أمّ مكتوم- وأمّ مكتوم أمّ أبيه، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهرى من بني عامر بن لؤى- وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل ابن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال للنبى ﷺ: أقرئنى وعلمنى مما علمك الله، وكرر ذلك، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه فنزلت هذه الآيات، وكان رسول الله ﷺ يكرمه ويقول إذا رآه: «مرحبا بمن عاتبنى فيه ربى» ويقول: «هل لك من حاجة»، واستخلفه على المدينة بعد ذلك مرتين «١» فى غزوتين غزاهما. قال أنس: فرأيته يوم القادسية
_________________
(١) انظر: تفسير الرازى ٣١/ ٥٤، والقرطبى ١٩/ ٢١١ وما بعدها، وزاد المسير ٩/ ٢٦، والطبرى ٣٠/ ٥٠، ٥١، وابن كثير ٤/ ٤٧٠، وفتح القدير ٥/ ٣٨٢، ٣٨٣.
[ ٢٠١ ]
راكبا وعليه درع ومعه راية سوداء.
وبعد أن تناولنا أطراف الموقف التربوى فى سبب نزول الآيات الكريمة من سورة عبس، والذى يعالج عقبة من العقبات التى وقفت فى وجه الدعوة من ناحية، وأفسدت علاقات الناس بعضهم ببعض من ناحية أخرى. نذكر أنه قد نبه كثير من العلماء الذين فسروا هذه السورة الكريمة إلى هذا الموقف التربوى وأدركوا هذه القيمة التى ترسيها سورة عبس بهذا الموقف، فمما يذكره القرطبى فى هذا إبراز الحالة التى كان عليها الموقف من إقبال ابن أم مكتوم، والنبى ﷺ مشتغل بمن حضره من وجوه قريش يدعوهم إلى الله تعالى، وقد قوى طمعه فى إسلامهم، وكان إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم فجاء ابن أمّ مكتوم وهو أعمى فقال: يا رسول الله علمنى مما علمك الله، وجعل يناديه ويكثر النداء ولا يدرى أنه مشتغل بغيره حتى ظهرت الكراهة فى وجه رسول الله ﷺ لقطعه كلامه «١».
كما يذكر القرطبى من قول العلماء فى ذلك أن الله ﵎ عاتب رسوله ﷺ حتى لا تنكسر قلوب الفقراء وليعلم الناس أن المؤمن الفقير خير من الغنى الذى أعرض، وكان النظر إلى المؤمن أولى- وإن كان فقيرا- من النظر إلى غيره من الأغنياء طمعا فى إيمانهم، وإن كان ذلك- أيضا- نوعا من المصلحة «٢». وكل هذا يبرز لنا حرص الرسول ﷺ على هداية الناس وخاصة من كان بعيدا، وأما من آمن فإن الوقت متّسع له وكان منّ الله عليه بالإسلام.
ويذكر القرطبى كذلك ما جاء نظير هذه الآية فى العتاب من قوله تعالى فى سورة الأنعام: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام: ٥٢] وكذلك قوله تعالى فى سورة الكهف: وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الكهف: ٢٨] «٣» وهذا تأكيد لإبراز هذين النوعين من الناس وأن النوع الأعلى هو المؤمن مع فقره. فالميزان الجديد والمقياس الصحيح الذى يقاس به الإنسان فى حكم الإسلام ما يتمتع به من إيمان وتقوى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣] وأما ابتدعه الناس من مقاييس يتفاخرون بها ويعلو بعضهم على بعض من مال وعصبية فلا وزن لها عند الله وبهذا تسعد البشرية.
وأما صاحب التفسير الكبير فيثير مجموعة من التساؤلات ليؤكد- أيضا- هذا المعنى
_________________
(١) القرطبى ١٩/ ٢١٢.
(٢) المرجع السابق ١٩/ ٢١٢، ٢١٣.
(٣) المرجع السابق ١٩/ ٢١٤.
[ ٢٠٢ ]
التربوى، فمما ذكره فى ذلك: أن يقال- مثلا-: إن ابن أمّ مكتوم ﵁ كان يستحق الزجر فكيف عاتب الله رسوله على أن عبس فى وجهه؟ وأما استحقاق الزجر فلوجوه أحدها: أنه وإن كان لفقد بصره لا يرى القوم لكنه لصحة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول ﷺ أولئك الكفار، وكان يسمع أصواتهم أيضا، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمام النبى ﷺ بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلام النبى ﷺ وإلقاء غرض نفسه فى البين قبل تمام غرض النبى ﷺ إيذاء. ثانيا: أن الأهم مقدم على المهم، وهو كان قد أسلم وتعلم ما كان يحتاج إليه من أمر الدين، أما أولئك الكفار فما كانوا قد أسلموا وإسلامهم سبب لإسلام جمع عظيم، فإلقاء ابن أم مكتوم ذلك الكلام فى البين كالسبب فى قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل. ومما أجاب به عن هذا التساؤل: أن الأمر وإن كان على ما ذكرتم إلا أن ظاهر الواقعة يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وانكسار قلوب الفقراء؛ ولهذا كانت المعاتبة ونظيره قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام: ٥٢].
ومن هذه التساؤلات: أنه ﵊ كان مأذونا فى أن يعامل أصحابه على حسب ما يراه مصلحة، وأنه ﵊ كثيرا ما كان يؤدب أصحابه ويزجرهم عن أشياء، وكيف لا يكون كذلك وهو﵊- إنما بعث ليؤدبهم وليعلمهم محاسن الآداب، وإذا كان كذلك كان ذلك التعبيس داخلا فى إذن الله تعالى إياه فى تأديب أصحابه، وإذا كان ذلك مأذونا فيه، فكيف وقعت المعاتبة عليه؟ ويجيب عن هذا التساؤل أنه ﷺ كان مأذونا فى تأديب أصحابه لكن هاهنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وكان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على الدين فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة «١».
بهذا يتضح وضوح فكرة إعلاء القيمة الجديدة فى النظرة إلى الإنسان، ووزنه على أساس سليم عادل يقدر فيه الإنسان بما يقدمه نفسه من تقوى، وهذا الأساس يتساوى فيه الناس جميعا ويكون فيه المجال للتسابق الذى يسعد البشرية، كما يتضح إهدار الأسس الظالمة فى تقويم الإنسان بما لا حيلة له فيه من عصبية أو ذرية أو مال أو غيره من مقاييس تثير العداوة والبغضاء بين الناس.
_________________
(١) تفسير الرازى ٣١/ ٥٤، ٥٥.
[ ٢٠٣ ]
فكان الموقف الذى عالجته سورة عبس فى آياتها الأولى فى وضوح لدى المؤمنين ولدى المعرضين فهذا الموقف الاجتماعى يخص الفريقين. وظل هذا الغرس للقيمة الجديدة يجد غذاءه فى الآيات القرآنية الكريمة بعد ذلك، وفى توجيهات الرسول ﷺ وفى الممارسات العملية التى نتناول بعضا منها إن شاء الله.
ومما تضمنته سورة «عبس» من الجوانب التربوية والمعانى الكريمة إبراز الجانب التربوى فى موقف الرسول ﷺ من ابن أم مكتوم ﵁ أثناء
دعوة جماعة من المشركين وهذا الجانب التربوى الذى أبرزه المفسرون فى تناولهم للسورة الكريمة والذى ركزنا عليه حتى لا يغيب فى جوّ العتاب والتربية الجديدة فى الموقف والتى تعلى الإنسان بتقواه وليس بماله وجاهه وعصبيته. ظل هذا المعنى مرعيا فيما يتنزل من قرآن كريم وما يقدمه الرسول الكريم من توجيهاته ومواقفه العملية التى يذيب فيها ما اعتاده الناس من قيم جاهلية؛ فساوى ﷺ بين أصحابه ولم يقدم أحدا إلا بالمقياس الجديد. فآخى بين المهاجرين والأنصار عند ما قدم المدينة فجعل عمه حمزة ومولاه زيد بن حارثة ﵄ أخوين، وجعل خالد بن رويحة الخثعمى وبلال بن رباح أخوين.
وزوّج ﷺ بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية لمولاه زيد بن حارثة. كما بعث زيد بن حارثة أميرا في غزوة مؤتة وجعله الأمير الأول ويليه فى الإمارة جعفر بن أبى طالب، ثم عبد الله بن رواحة الأنصارى، على ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار فيهم خالد بن الوليد ﵄.
وفى آخر العمر المبارك للنبى ﷺ أمّر أسامة بن زيد على جيش لغزو الروم يضم عددا كبيرا من المهاجرين والأنصار فيهم وزيراه أبو بكر وعمر ﵄ وفيهم سعد بن أبى وقاص وله قرابته وسبقه إلى الإسلام ﵁. ولما طعن بعض الناس فى إمارة أسامة لحداثته كان جواب النبى ﷺ فيما حكاه عمر بن الخطاب ﵄ بقوله: بعث رسول الله ﷺ بعثا أمّر عليهم أسامة بن زيد ﵄ فطعن بعض الناس فى إمارته، فقال النبى ﷺ:
إن تطعنوا فى إمارته فقد كنتم تطعنون فى إمارة أبيه من قبل. وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلىّ. وإن هذا لمن أحب الناس إلىّ» «١».
وهو الذى قال عن سلمان الفارسى: «سلمان منا أهل البيت» «٢» تحطيما للعصبية
_________________
(١) أخرجه الشيخان والترمذى، وانظر: الظلال ٨/ ٤٦٢ وما بعدها.
(٢) أخرجه الطبرانى والحاكم.
[ ٢٠٤ ]
والقومية الضيقة ودخولا فى رحابة الإسلام وقيمه.
ولما وقع بين أبى ذر الغفارى وبلال بن رباح ﵄ ما جعل لسان أبى ذر يخاطب بلالا بقوله: «يا بن السوداء» غضب لذلك رسول الله ﷺ غضبا شديدا، وقال: «يا أبا ذر طفّ الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل» «١» وتكون استجابة أبى ذر تكفير لهذه الفلتة أن يضع جبهته على الأرض يقسم ألا يرفعها حتى يطأها بلال.
وكان ﷺ يقول عن عمار بن ياسر- وقد استأذن عليه- «ائذنوا له، مرحبا بالطيب المطيب» «٢».
وأما جليبيب وهو رجل من الموالى ﵁ فكان رسول الله ﷺ يخطب له بنفسه ليزوجه امرأة من الأنصار فلما تأبى أبواها قالت هى: أتريدون أن تردوا على رسول الله ﷺ أمره؟ إن كان رضيه لكم فأنكحوه فرضيا وزوجاها «٣».
وقد افتقده رسول الله ﷺ فى الوقعة التى استشهد فيها بعد فترة قصيرة من زواجه. فعن أبى برزة الأسلمى ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ فى مغزى له فأفاء الله عليه. فقال لأصحابه: «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا.
ثم قال: «هل تفقدون من أحد؟»، فقالوا: لا. قال: «لكنى أفقد جليبيبا» فطلبوه فوجدوه إلى جنب سيفه قد قتلهم ثم قتلوه، فأتى النبىّ، ﷺ فوقف عليه، ثم قال:
«قتل سبعة ثم قتلوه هذا منى وأنا منه». ثم وضعه على ساعديه، ليس له سرير إلا ساعدا النبى ﷺ- قال: فحفر له، ووضع قبره ولم يذكر غسلا. أخرجه مسلم.
وقد أثمرت هذه التربية فى أصحاب النبى ﷺ الذين استجابوا لوحى ربهم، وعلى سبيل المثال فأبو بكر خليفة رسول الله ﷺ يحفظ عن رسول الله ﷺ ما أراده فى أمر أسامة فكان أول عمل له بعد توليه الخلافة، هو إنفاذه بعث أسامة على رأس الجيش الذى أعده رسول الله ﷺ وسار يودعه بنفسه إلى ظاهر المدينة فى مشهد عجيب، أسامة راكب وأبو بكر الخليفة راجل يمشى. فيستحى أسامة أن يركب وهو الفتى وأبو بكر يمشى وهو الخليفة والشيخ: فيقول: يا خليفة رسول الله لتركبنّ أو لأنزلنّ، فيقسم الخليفة، والله لا تنزل. وو الله لا أركب. وما علىّ أن أغبّر قدمىّ فى سبيل الله ساعة.
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك فى البر والصلة.
(٢) أخرجه الترمذى.
(٣) مسند أحمد عن أنس.
[ ٢٠٥ ]
ولما أراد أن يبقى عمر ليساعده فى شئون الأمة يقول الخليفة لأسامة قائد الجيش وعمر أحد جنوده: إن رأيت أن تعيننى بعمر فافعل ﵃ أجمعين.
كان التعليم بالموقف مبكرا وكان التوجيه القولى والعملى مستمرا.
ومما تضمنته سورة عبس من المعانى الكريمة بعد الموقف التربوى التعليمى فى إعلاء الرجل الأعمى بتقواه وخفض وجهاء القوم باستغنائهم وإعراضهم- يأتى التوجيه بأن هذا الموقف وهذه الآيات وهذا القرآن الكريم تذكرة موجهة إلى الجميع فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) وأقبل عليه واستجاب له إنه فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ
(١٦).
وبعد هذا العرض يأتى قوله تعالى فى بيان نوعية من الناس تحرم من الخير بعد أن يصل إليها وتنقلب على عقبها فقال تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) أى لعن وعذّب هذا الإنسان الكافر. روى الضحاك عن ابن عباس قال: نزلت فى عتبة بن أبى لهب وكان قد آمن، فلما نزلت «والنجم» ارتدّ، وقال: آمنت بالقرآن كلّه إلا النجم، فأنزل الله جل ثناؤه فيه «قتل الإنسان» أى لعن عتبة حيث كفر بالقرآن، ودعا عليه رسول الله ﷺ فقال: «اللهم ابعث عليه كلبك يأكله» فخرج من فوره بتجارة إلى الشام فلما انتهى إلى الغاضرة تذكر دعاء النبى ﷺ، فجعل لمن معه ألف دينار إن هو أصبح حيا، فجعلوه فى وسط الرّفقة، وجعلوا المتاع حوله، فبينما هم على ذلك أقبل الأسد، فلما دنا من الرجال وثب، فإذا هو فوقه فمزقه، وقد كان أبوه ندبه وبكى وقال: ما قال محمد شيئا قط إلا كان.
وهذا الفريق الكافر المعاند بكبره ألا ينظر إلى خلقه حتى يستحيى ولا يتكبر إنه خلق من ماء مهين، وفى مكان ضيق، ويسره الله للخروج إلى الحياة ثم أماته وأدخله القبر والإنسان يشاهد كل هذا فلا ينبغى أن يكذب بما يعده من نشور. وإن دخله شك واستبعاد فلينظر إلى من حفظ له حياته ونماءه بعد أن أخرجه من بطن أمه إنه هو الذى أمده بالطعام فلينظر إلى مظاهر قدرة الله فى هذا الطعام، وأن الذى أحيا الأرض وأخرج الطعام لكم ولأنعامكم هو الذى سيحييكم فلا مجال للكبر ولا مجال للتفاخر، ولا ينبغى أن يكون الكبر بالمال والعصبية عائقا عن الهداية فإن هذه المظاهر لا
[ ٢٠٦ ]
تغنى عن الإنسان من الله شيئا يوم يكون لكل امرئ ما شغله بنفسه عن أقرب الناس إليه قال تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧).
ويجد الناس أنفسهم فى هذا اليوم فريقين أيضا فكما كانوا بين مؤمن مستجيب لأمر الله ورسوله، ومعرض معاند سيكونون يوم القيامة بين ناجين فائزين. وخائبين خاسرين هالكين، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢). نسأل الله العافية.
[ ٢٠٧ ]