كان الرسول ﷺ يعلم الصحابة تعليمًا عمليًا فيردد الصحابي أمام الرسول بطريق الترديد والتسميع بقصد التصحيح.
وفي ذلك ورد حديث الدعاء قبل النوم عن البراء بن عازب قال النبي ﷺ: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت.
[ ٣٤ ]
فإن مت من ليلتك مت وأنت على الفطرة، واجعلهم آخر ما تتكلم به قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت آمنت برسولك الذي أرسلت.
قال: قل آمنت بنبيك الذي أرسلت" (١)
وأما تعليم القرآن فقد أشار إليه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله في حديث تعلم الاستخارة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول لهم:"إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك" الخ (٢)
والشاهد قول جابر (كما يعلمنا السورة من القرآن) فدل على أن تعليم القرآن الكريم كان أمرًا واقعًا بين رسول الله ﷺ وأصحابه تلقيًا وتلقينًا ولقد كانت همة النبي ﷺ عند نزول القرآن هي حفظه واستظهاره ثم يقرأه على الناس على مكث ليحفظوه ويستظهروه ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢)
ومن شأن الأمي أن يعول على حافظته فيما يهمه أمره، ويعينه استحضاره وجمعه خصوصًا إذا أوتي من قوة الحفظ والاستظهار ما ييسر له هذا الجمع والاستحضار. ثم جاء القرآن فبهرهم بقوة بيانه، وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه، فخلعوا عليه حياتهم حين علموا أنه روح الحياة.
_________________
(١) رواه البخاري ٥/٢٣٢٦ ومسلم ٤/٢٠٨١
(٢) رواه البخاري ٥/٢٣٤٥
[ ٣٥ ]
وقد اعتنى الصحابة الكرام بكتابة القرآن التي هي وسيلة للحفظ وعدم الاختلاف فكتبوه ونقشوه بمقدار ما سمحت لهم وسائل الكتابة وأدواتها في عصرهم.
فاتخذ النبي ﷺ كتابًا للوحي إذا نزل شيء أمرهم بكتابته زيادة في التوثق والضبط حتى تظاهر الكتابة الحفظ، ويعاضد النقش اللفظ.
ومن هذا المنطلق فعلى المعلم أن يرشد متعلميه عبر وسائل الإعلام إلى أهمية الكتابة عند الحفظ فذلك أدعى لثبات المحفوظ وترسيخه في الذاكرة وقد قال المعلم:
العلم صيد والكتابة قيده قيد صيودك بالحبال الواثقه
فمن الحماقة أن تصيد غزالة وتتركها بين الخلائق طالقه
ويصور لنا السيوطي في كتابه الإتقان (١) في علوم القرآن في النوع الرابع والثلاثين في (كيفية تحمله) أي القرآن قال: اعلم أن حفظ القرآن فرض عين على الأمة والمعنى فيه ألا ينقطع عدد التواتر فيه فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف، وتعليمه أيضًا فرض كفاية وهو أفضل القرب.
- وأوجه التحمل (في طرق تعلم ونقل الحديث) عند أهل الحديث: (السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه، والسماع عليه بقراءة غيره، والمناولة، والإجازة والمكاتبة والعرضية، والإعلام والوجادة) فأما غير الوجهين الأولين فلا يأتي هنا.
وأما القراءة على الشيخ فهي المستعملة سلفًا وخلفًا.وأما السماع من لفظ الشيخ فيحتمل أن يقال به هنا لأن الصحابة ﵃ إنما أخذوا القرآن من النبي ﷺ.
_________________
(١) الإتقان ١/٢٧٩-٢٩١.
[ ٣٦ ]
ثم قال: وأما الصحابة فكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي ﷺ لأنه نزل بلغتهم ومما يدل للقراءة على الشيخ:عرض النبي ﷺ القرآن على جبريل في رمضان في كل عام ويحكى أن الشيخ شمس الدين بن الجزري لما قدم القاهرة وازحمت عليه الخلائق لم يتسع وقته لقراءة الجميع، فكان يقرأ عليهم الآية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة، فلم يكتف بقراءته.
- وقد كان الشيخ علم الدين السخاوي يقرأ عليه اثنان وثلاثة في أماكن مختلفة ويرد على كل منهم، أي يصحح خطأهم إذا أخطؤوا. (١)
وهذه الطريقة التربوية للتعليم بالعمل والممارسة. تجعل الفرد أكثر استقامة وسعادة فيسير على الإتقان العملي الذي هو خير مقياس للتعلم سواء في ذلك الاستحفاظ أو أداء العبادات.
لذا. كان من أهم نتائج هذا الأسلوب
(١) تعود الدقة وتوخي صحة النتائج، فكل متعلم يمارس العمل أمام معلمه، ثم يناظره المعلم ويصحح أخطاءه يغرس في نفس المتعلم عدم العود إلى الخطأ مع ثبات الصواب.
(٢) شعور المتعلم بالمسؤولية عن صحة العمل. وهذا يجعل منهجية التربية الإسلامية منهجية حركية فكرية عاطفية مبنية على الوعي والدقة وصحة الأداء فالدقة في العواطف والاتجاهات والأفكار تتجلى في إخلاص النية وتوجيه العمل نحو إرضاء الله ﷻ بلا رياء ولا استكبار ولا استهتار. تواكبها الدقة في حركية العمل أو لفظية القول
_________________
(١) السيوطي، الإتقان ١/١٧١
[ ٣٧ ]
كما نقله لنا الصحابة عن رسول الله ﷺ ثم من بعدهم إلى يومنا هذا.
وعلى المعلم توجيه الآباء وحثهم أبناءهم على الاهتمام بذلك عن طريق التشجيع وضرب الجوائز وغير ذلك. ومتابعة ما حفظوه وما كتبوه من خلال حلقات القرآن في وسائل الإعلام. وهذا هو الرباط على المتابعة وجني الثمرة.
ولقد اهتم المسلمون الأول بتعليم أولادهم القرآن:_
يقول عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده "علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن" (١) . وكذلك هشام بن عبد الملك يقول لسليمان الكلبي لما اتخذه مؤدبًا لابنه: "وأول ما أوصيك به أن تأخذه بكتاب الله ثم روّه من الشعر أحسنه" (٢) . وقد قال الرشيد للأحمر معلم ولده الأمين ولي عهده: "فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين: أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار" (٣)
إن تعليم القرآن من شعارات الدين، أخذ به المسلمون، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم وجعلوه أصل كل تعليم عندهم.
والقرآن مطلوب الحفظ لفظًا ومعنى بل فهم المعنى والأخذ به لا يكونان إلا عن طريق تلاوة الألفاظ أو إسماعها، ثم تدبرها وتذكرها.
وإذا كان مالك – فيما قيل – كره التعجيل بتعليم الطفل القرآن فلعله لم يكره ذلك إلا خشية أن ينطق به على خلاف ما ينبغي له من إقامة الحروف وإخراجها من مخارجها (٤) على أن الأخبار التعليمية – عند المسلمين – تفيد أن
_________________
(١) ابن قتيبة، عيون الأخبار ٢/ ١٦٧
(٢) الأصفهاني، محاضرات الأدباء ١/٢٩
(٣) البيهقي، المحاسن والمساوئ ص٦١٧
(٤) الكتاني، التراتيب الأدارية٢/٢٩٣
[ ٣٨ ]
كثيرين حفظوا القرآن في سن مبكرة. ومن ذلك ما ذُكر من أن الشافعي حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين (١) .
وأن جلال السيوطي حفظ القرآن وله دون ثمان سنين (٢) .
وما جرت عليه عادات المسلمين من أخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره، حتى ولو كان يقرأ ما لا يفهم عزاه صاحب (أبجد العلوم) إلى (إيثار الثواب) وخشية ما يعرض للولد من جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن (٣) .
وفي قول يحيى ﵇ ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ مريم: ١٢) . أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير) (٤) .
وروى عن بعض السلف قال "من قرأ القرآن - قبل أن يبلغ – فهو ممن أوتي الحكم صبيا" (٥) .
وفي حديث حذيفة أن النبي ﷺ قال: "إن القوم يبعث الله عليهم العذاب حتمًا مقضيا فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة" يقول ابن حجر، ولهذا الحديث شاهد في مسند الدارمي عن ثابت بن عجلان "إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم الصبيان بالحكمة صرف الله ذلك عنهم يعني الحكمة: القرآن" (٦) .
_________________
(١) الحسيني الملقب بالمصنف، طبقات الشافعية ص٣
(٢) السيوطي، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ١/١٤٠
(٣) أبجد العلوم ص٦٦
(٤) الخازن، لباب التأويل في معاني التنزيل ٣/٢٨٤
(٥) الخازن، لباب التأويل في معاني التنزيل ٣/٢٨٤
(٦) ابن حجر العسقلاني، الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ص٣
[ ٣٩ ]
ولذا فإن المادة الرئيسية لدى النشء هو حفظ القرآن مجودًا والذي كان يستطيع ختم القرآن في المدارس والكتاتيب بمنزلة (شتلات) صالحة تنتقل إلى أرض التعليم فيزكو نباتها.
ومما حفل به التاريخ الإسلامي أن نساءً ختمن القرآن مثل ميمونة بنت أبي جعفر القعقاع المدني أحد القراء العشرة المختارين روت القراءة عن أبيها وروى القرآن عنها آخرون (١) .
وكان في قصر زبيدة بنت أبي جعفر المنصور وزوجة هارون الرشيد وأم ولده الأمين مائة جارية تقرأ القرآن فكان يُسمع من قصرها دوي كدوي النحل من القراءة. (٢)
وذكر ابن فياض في تاريخه في أخبار قرطبة أنه كان بالرَّيَض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي وكان هذا في ناحية من نواحيها فكيف بجميع جهاتها (٣) .؟
وعائشة بنت إبراهيم بن صديق زوج الحافظ المزي المتوفاة ٧٤١ هـ كانت تحفظ القرآن وتلقنه النساء وكانت عديمة النظير لكثرة عبادتها وحسن تأديتها القرآن وتفضل في ذلك على كثير، وأقرأت عدة من النساء وختمن عليها وانتفعن بها. (٤) وعرض ابن الجزري السيرة العلمية لابنته (سلمى) فذكر ضمنًا أنها: (عرضت القرآن حفظًا بالقراءات العشر، قراءة صحيحة مجودة مشتملة على
_________________
(١) ابن الجزري، غاية النهاية ٢/٣٢١
(٢) ابن تغريردي،النجوم الزاهرة٢/٢١٤
(٣) عبد الواحد المراكشي،المعجب في تلخيص أخبار المغرب ٣٧٢
(٤) ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ترجمة رقم ٢٠٨٠.
[ ٤٠ ]
جميع وجوه القراءات بحيث وصلت في الاستحضار إلى غاية لا يشاركها فيها أحد في وقتها (١) .
وطريق التلقين الشفهي هي الطريقة المثلى لتعليم القرآن، ولاسيما أن المعتمد عند المسلمين أن يكون تلقي العلم النقلي بعامة والقرآن بخاصة من الأفواه.
فابن مسعود:أحد كبار الصحابة وأعلام رواة القرآن وتجويده وتحقيقه وترتيله يقول: حفظت من في رسول الله ﷺ - بضعة وسبعين سورة. (٢)
وعن أنس بن مالك قال ﷺ لأبيّ: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال: الله سماني لك؟ قال:الله سماك لي فجعل أبي يبكي" (٣)
قال ﷺ: "خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود فبدأ به وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب" (٤) .
وتلك قاعدة متبعة لطالب القرآن أن يتلقاه من أفواه المشايخ الضابطين المتقنين وأن لا يعتد أبدًا بالأخذ من المصاحف المكتوبة بدون معلم لما قد يقع في ذلك من تصحيف يتغير به وجه الكلام.
وهم يقولون: لا تأخذوا القرآن من مصحفي، ولا العلم من صحفي. (٥)
ومن أشهر ما يروى في هذا أن حمزة أحد أئمة القراءة السبعة كان يقرأ القرآن وهو في سن تعلم الهجاء من المصحف فتلا ﴿لك الكتاب لا زيت
_________________
(١) غاية النهاية ١/٣١٠.
(٢) ابن الجزري،غاية النهاية ١/٤٥٨
(٣) مسلم ٤/١٩١٥
(٤) رواه البخاري ٣/١٣٨٥
(٥) العسكري، شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص ١٠
[ ٤١ ]
فيه) وأبوه يسمع بدلًا من (لا ريب فيه) فقال له أبوه:دع المصحف وتلقن من أفواه الرجال (١) .
وسمع أعرابي رجلًا يقرأ (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) بفتح التاء فقال سبحان الله.هذا قبل الإسلام قبيح فكيف بعده؟ فقيل له إنه لحن وإنما القراءة (لا تُنكحوا) فقال قبحه الله إنه يحل ما حرم الله. (٢)
وذلك فيه من التنبيه ما فيه إلى طالبي القرآن، إلى وجوب التزام التلقي الصوتي من قراء ضابطين محققين.
ومن أقوال العلماء: (من أعظم البلية تشييخ الصحيفة) أي أن يتعلم الناس في الصحف. وكان الشافعي يقول: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام (٣) .
فالنقل من أفواه المعلمين هو النقل السليم الذي يظهر كل زيف يعتريه.
ولذا لم يكن غريبًا أن يكون الاكتفاء بالأخذ من المصحف بدون مُوّقف أو معلم أمرًا لا يجيزه المسلمون ولو كان المصحف مضبوطًا بل إنهم يعدون هذا الاكتفاء منافيًا للدين لأنه ترك للواجب وارتكاب للمحرم. (٤)
١- وهم يذهبون إلى هذا بناءً على أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ويقول ابن حجر: "اعلم أن كل ما أجمع القراء على اعتباره من مخرج مد أو إدغام أو إخفاء أو إظهار وغيرها وجب تعلمه وحرم مخالفته"
_________________
(١) المرجع السابق ص ١٣
(٢) ابن الجوزي أخبار الحمقى ص١٠٧
(٣) ابن جماعة، تذكرة السامع ص ٨٧
(٤) علي الضباع بحث في التجويد بمجلة كنوز الفرقان عدد مايو١٩٥٠ص١٣
[ ٤٢ ]
ويقول السيوطي: ولاشك أن الأمة – كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده – هم متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراء المتصلة بالحضرة النبوية (١) . وقوله (على الصفة المتلقاة) لا يكفي الأخذ من المصحف بدون تلقٍ من أفواه المشايخ المتقنين.
وابن الجزري في تعريفه للمقرئ يقول: إنه العالم بالقراءات رواها مشافهة فلو حفظ التيسير مثلًا ليس له أن يقرئ بما فيه إن لم يشافهه مسلسلًا، لأن من القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة (٢) .
_________________
(١) الإتقان ١/١٠٠
(٢) منجد المقرئين ص٣
[ ٤٣ ]