ثالثًا: تقويم أساليب علوم القرآن في وسائل الإعلام
مما لا مرية فيه أن المتعلمين تتفاوت درجاتهم،وأن المتعلم في رحاب جامعة إكاديمية يختلف عن المتعلم في رحاب وسيلة من وسائل الإعلام،فالأول لا يخشى عليه عند عرض المادة العلمية - من اختلاف المختلفين - إذ إنه يعلم عند التعارض والاختلاف كيف يكون الجمع أو الترجيح.؟
أما الثاني فإذا رأى اختلاف العلماء ربما أثر ذلك تأثيرًا سلبيًا في فكره أو عقيدته ولذلك يقول عبد الله بن مسعود: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (١) .
ومن هذا المنطلق فإن أول ما يتقرر عرضه في وسائل الإعلام عن علوم القرآن هو المتفق عليه لا المختلف فيه،ولا يُعرض المختلف فيه إلا مصحوبًا ببيان الوجه الجمالي في الاختلاف وأن الأمر يؤول إلى السعة في القولين إذا كان لكل منهما وجهة نظر سليمة شرعًا وعقلًا.
ولاسيما أن عندنا - نحن المسلمين - ثروة من المراجع العلمية في هذا الشأن نستطيع من خلالها أن نأخذ المتفق عليه ليعرض بصورة علمية محببة لقلوب المتعلمين عبر وسائل الإعلام. وإذا كان مختلفًا فيها يُعرض القول الراجح بأدلته وكفى مع التنبيه على ذلك.
١ـ فهذا كتاب (البرهان في علوم القرآن) للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي يقول في خطبته «لما كانت علوم القرآن لا تحصى، ومعانيه لا تستقصى وجبت العناية به بالقدر الممكن،ومما فات المتقدمين وضع كتاب
_________________
(١) رواه مسلم في مقدمة الصحيح ص ١٠ وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ج ١ ص ١٣٤
[ ٤٤ ]
يشتمل على أنواع علومه فاستخرت الله تعالى وله الحمد في وضع كتاب في ذلك جامع لما تكلم الناس في فنونه، وخاضوا في نكته وعيونه، وضمنته من المعاني الأنيقة والحكم الرشيقة ما بهر القلوب عجبًا ليكون مفتاحًا لأبوابه عنوانًا على كتابه، معينًا للمفسر على حقائقه،مطلعًا على بعض أسراره ودقائقه وسميته (البرهان في علوم القرآن) (١) ا. هـ ويحوي سبعة وأربعين نوعًا من علوم القرآن.
٢- وعليه بنى الإمام السيوطي كتابه (الإتقان في علوم القرآن) إذ يقول في مقدمته ولما وقفت على هذا الكتاب ازددت به سرورًا، وحمدت الله كثيرًا، وقوي العزم على إبراز ما أضمرته الخ
وزاد فيه السيوطي أنواعًا أخرى حتى أوصل كتابه إلى ثمانين نوعًا.
والذي يعنينا في هذا المقام هو تحديث الأسلوب في دراسة علوم القرآن فنجد أمامنا كتاب: (مناهل العرفان في علوم القرآن) للشيخ الدكتور/ محمد عبد العظيم الزرقاني فقد جَلَّى هذا العلم وأظهره وجدد أسلوبه وهو جيد في الاعتماد عليه مرجعًا لإعداد البحوث الخاصة بالبرامج الإعلامية وإن كان في بعض الأحيان عالي الأسلوب إلا أن هذه مهمة العلماء المتخصصين في علوم القرآن أن يبسطوا أسلوبه ويجعلوه في متناول السامعين والمشاهدين والمتابعين على الإنترنت.
ونأخذ منه نموذجًا عن (فوائد معرفة أسباب النزول)
_________________
(١) الزركشي، البرهان في علوم القرآن (المقدمة) ط. التراث العربي بمصر
[ ٤٥ ]