للقصة القرآنية وظيفتها التعليمية التي لا يحققها لون آخر من ألوان الأداء اللغوي ذلك أنها تمتاز بميزات جعلت لها آثارًا نفسية وتربوية بليغة ومحكمة وثابتة على مر الأزمان مع ما تثيره من حرارة العاطفة تدفع إلى تغيير السلوك وتجديد العزيمة.
وللقصة القرآنية أغراض ينبغي للمعلم أن يحققها في نفس مستمعيه وتربية عقولهم وعواطفهم.
[ ٢٦ ]
الغرض الأول: إثبات الوحي والرسالة ففي أول سورة يوسف قال تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: ٢،٣)
وفي قصة نوح ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (هود: ٤٩) .
فمحمد ﷺ هذا النبي الأمي الذي لا يقرأ ولم يجلس إلى معلم بشري قط،يتلو على قومه هذا القصص أعذب الكلام وأبلغه في أسلوبه ونظمه وفي غاياته ومقصده، فهو في موضوعه نسيج من الصدق الخالص، وعصارة الحقيقة المصفاة، لا تشوبه شائبة من وهم أو خيال لأنه بناء شامخ من لبنات الواقع، وهو نقل حي لها، حتى لكأنها تتجسد في الزمان والمكان اللذين حملاها لحظة حدوثها، فتظهرها دائمًا وكأنها في ساعة مولدها، لا يختلف يومها عن أمسها ولا يفقد من يشهدها اليوم أو غدًا شيئًا مما شهده عليها المشاهدون ساعة مولدها وهذا الإعجاز الذي نشهد بعض أسراره في كلمات القرآن الكريم، الأمر الذي لا يشبهه شيء من أعمال الناس وآثارهم.
ولا يشك عاقل في أن وظيفة محمد ﷺ إن هي إلا التبليغ ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ (الشورى: ٤٨) .
الغرض الثان: تثبيت حملة الرسالة وتسليتهم عما يلاقونه من المصائب ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود:١٢٠)
فعلى المعلم استحضار مكان الموعظة والذكرى من كل قصة ليحاور متعلميه حوارًا يوجههم إلى المعرفة، والتأثر بها،والعمل بمقتضاها.
الغرض الثالث: الاعتبار بالحوادث التاريخية:
[ ٢٧ ]
وما أعظم هذه الحوادث التي توجه المتعلم إلى معرفة المغزى:_
(أ) كمعرفة سنة الله في إهلاك المفسدين بسبب فسادهم وظلمهم وإبقاء الصالحين قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: ١٠٢)
(ب) ومعرفة سنة الله في نصر عباده المؤمنين العاملين بشرعه ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: ٥١)
(ج) معرفة سنة الله في إلحاق الهزيمة بالكافرين إذا تمسك المؤمنون بشرعه ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الفتح: ٢٢،٢٣)
(د) إذا تمادى مرضى القلوب (المنافقون) في إفساد المؤمنين وإنشاء الفتن والإشاعات الكاذبة فإن سنة الله فيهم الهلاك ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (الأحزاب: ٦٠،٦١)
(هـ) البحث عن أثر إصلاح النفس البشرية وتربيتها في مجرى الحوادث التاريخية ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الأنفال: ٥٣)
وأن الغاية من القوة والغلبة والتمكين في الأرض إقامة شرع الله وتحقيق الصلاح ومحو الفساد ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ الحج:٤١)
[ ٢٨ ]