يتساءل كثير من الناس: ما الفرق بين القراءة والقرآن؟ ودار حول هذا الموضوع مناقشات ومناظرات، قديمًا وحديثًا. فتعددت الأقوال في ذلك، وسأجمل ما قاله العلماء في قولين مشهورين:
القول الأول: وهو رأي مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ)، وبدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ)، وهو التفريق بين القراءة والقرآن. مع اختلاف في وجهات النظر.
فيرى مكي أن التفريق بين القراءة والقرآن له شروط، فإن كانت القراءة:
_________________
(١) نزهة الألباء / ١٢٣، وينظر مناهل العرفان ١ / ٤٢٠. وينظر: مواقف النحاة من القراءات القرآنية / ٨
[ ١٠ ]
١- منقولة عن الثقات إلى النبي ﷺ.
٢- شائعة في العربية.
٣- موافقة لرسم المصحف.
فهي القراءة التي يقرأ بها، يعني هي قرآن. وإن اختل شرط من هذه الشروط، فليست بقراءة يقرأ به، يعني ليست بقرآن (١) .
ونقل هذا عن أبي عمرو الداني (٢) (ت ٤٤٤ هـ)، وذكره السخاوي (ت ٦٤٣ هـ) في جمال القراء (٣)، وصرح بموافقة مكي أبو شامة في المرشد الوجيز (٤) .
ويرى الزركشي أن هناك فرقًا بين القراءة والقرآن، يفيد أنهما حقيقتان متغايرتان، يختلف عما ذهب إليه مكي، قال: (اعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على (محمد) - ﷺ - للبيان والإعجاز. والقراءات: هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف، أو كيفيتها، من تخفيف، وتثقيل، وغيرهما. ولا بد من التلقي والمشافهة، لأن القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع) (٥) .
القول الثاني: أصحاب هذا القول لم يفرقوا بين القرآن والقراءة، فكل قراءة عندهم هي قرآن، وهذا القول نقله ابن الجزري في منجد المقرئين (٦)، عن ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) . ويرى ابن الجزري: أن القراءة المتواترة هي قرآن، كما يرى أن القراءة المشهورة هي قرآن.
_________________
(١) الإبانة عن معاني القراءات / ٥٧ - ٥٨ - ١٠٠، وينظر: القراءات وأثرها في التفسير والأحكام ١ / ١١٣ - ١١٤
(٢) ينظر: النشر في القراءات العشر ١ / ٩
(٣) جمال القراء ٢ / ٤٤٠
(٤) المرشد الوجيز / ١٧١ - ١٧٢
(٥) مقدمة البرهان في علوم القرآن ١ / ٥ - ١٣
(٦) منجد المقرئين / ٢٠ - ٢١، وينظر: النشر في القراءات العشر ١ / ١٥
[ ١١ ]
قال معقبًا على القراءات المشهورة: (هذا وشبهه وإن لم يبلغ مبلغ التواتر صحيح مقطوع به، نعتقد أنه من القرآن، وأنه من الأحرف السبعة التي نزل بها، والعدل الضابط إذا انفرد بشيء تحتمله العربية والرسم تلقي بالقبول، قطع به وحصل به العلم) (١) . ويرى ابن الجزري أن القراءات العشرة كلها متواترة مقطوع بها، منزلة على النبي - ﷺ - وهي من الأحرف السبعة (٢) .
_________________
(١) منجد المقرئين / ١٩، وينظر: القراءات وأثرها في التفسير والأحكام ١ / ١٥٢
(٢) منجد المقرئين / ١٦، والمصدر السابق ١ / ١٥٢ - ١٥٣
[ ١٢ ]
والذي يظهر لي أن القراءات المتواترة هي قرآن، نزلت على النبي ﷺ، وأن كل ما وافق السبعة من الثلاثة المعشرة هو قرآن، وأن القراءات الشاذة ليست بقرآن، لأن كثيرًا منها أشبه بالتفسير. أما المتواترة فهي ما رسم في المصاحف. فالمصحف الذي يقرأ به اليوم في معظم العالم الإسلامي هو قراءة حفص عن عاصم، والمصحف الذي يقرأ به في المغرب، هو قراءة ورش عن نافع، والمصحف الذي يقرأ به في السودان، هو قراءة الدوري عن أبي عمرو. فالقرآن هو القراءة المتواترة ولا فرق. وهناك أدلة من السنة المطهرة، تشير إلى أن القراءات المتواترة هي قرآن - مع أنني أعتقد أن هذه الأحاديث لا تفوت العلامة الزركشي وغيره من العلماء، الذين فرقوا بين القراءة والقرآن، ومن هذه الأحاديث: ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى من حديث أبيّ بن كعب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان عند أضاة بني غفار، فأتاه جبريل - ﵇ - فقال: (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، فقال أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك)، ثم أتاه الثانية، فقال: (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين)، فقال: (أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك)، ثم أتاه الثالثة، فقال: (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف)، فقال: (أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك)، ثم جاءه الرابعة فقال: (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا) (١) .
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي رقم الحديث (١٩٠٣) ٦ / ٣٤٤
[ ١٣ ]
وكذلك حديث عمر - ﵁ - قال: (سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله - ﷺ - أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه، فجئت به رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال رسول الله - ﷺ - أرسله، اقرأ، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ: (هكذا أنزلت)، ثم قال لي: (اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه) (١) .
وعن عبد الله بن عباس - ﵄ - أن رسول الله ﷺ قال: (أقرأني جبريل - ﵇ - على حرف واحد فراجعته، فلم أزل أستزيده، ويزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف) (٢) . فهذه الأحاديث تدل على أن القراءات التي قرأ بها النبي - ﷺ - هي قرآن، لأن القراءات هي امتداد للأحرف السبعة، لا كما يقول بعضهم: إنها تمثل حرفًا واحدًا. والله أعلم بالصواب.
وقد انتهج علماء القراءات - منذ عصر الصحابة - أسلوبًا علميًا دقيقًا، في انتقال قراءة القرآن من المعلّم إلى المتعلّم: فلم يكن الشيخ يأذن لتلميذه بالإقراء إلا بعد أن يسمع التلميذ من الشيخ أولًا، ثم يعرض على شيخه ما سمعه منه. وقد صنع رجال الحديث النبوي الشريف في تحمل السنة شيئًا قريبًا من هذا، غير أنهم اكتفوا في تحمل الحديث بالسماع من لفظ الشيخ، ولا كذلك علماء القراءات (٣) .
_________________
(١) رواه البخاري ٦ / ١٠٠، ومسلم ٢ / ٢٠٢، واللفظ لمسلم.
(٢) الحديث رواه البخاري في صحيحه٦ / ١٠٠، ومسلم في صحيحه٢ / ٢٠٢، وينظر: المغني في توجيه القراءات العشر ١ / ٥٠.
(٣) ينظر إتحاف فضلاء البشر / ٥.
[ ١٤ ]
فأئمة القراءات هم الذين خدموا الأمة والملّة، وحافظوا على الكتاب والسنة؛ يقول السيوطي فيهم: (لما اتسع الخرق، وكاد الباطل أن يتلبس بالحق، قام جهابذة الأمة وبالغوا في الاجتهاد، وجمعوا الحروف والقراءات، وعزوا الوجوه والروايات، وميزوا الصحيح والمشهور والشاذ، بأصول أصّلوها وأركان فصلوها) (١) .