القراءات أصل في كتب النحو، لأن القرآن الكريم بقراءاته المتواترة أصل للنحو العربي، ولأن النحو قد ارتبط بالقرآن الكريم منذ نشأته. وقد صرّح بذلك علماء العربية منذ عهد سيبويه (ت١٨٠ هـ)، وحتى المتأخرين من النحاة:
يقول سيبويه (ت ١٨٠ هـ): (في قول الله ﵎ (ما هذا بشرًا) (١)، في لغة أهل الحجاز، وبنو تميم يرفعونها، إلا من درى كيف هي في المصحف) (٢) .
ويعلق الزركشي (ت ٧٩٤هـ) على كلام سيبويه بقوله: (وإنما كان كذلك لأن القراءة سنة مروية عن النبي - ﷺ - ولا تكون القراءة بغير ما روي عنه) (٣) . ويقول سيبويه أيضًا: (فأما قوله ﷿: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (٤)، فإنما هو على قوله: (زيدًا ضربته، وهو عربي كثير. وقد قرأ بعضهم: (وأما ثمود فهديناهم) (٥) . إلا أن القراءة لا تخالف، لأن القراءة السنة) (٦) .
ويقول أبو عمرو الداني (ت ٤٤٤هـ): (والأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل والرواية. إذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة، فلزم قبولها والمصير إليها) (٧) .
_________________
(١) سورة يوسف /٣١
(٢) الكتاب لسيبويه ١ /٥٩
(٣) البرهان في علوم القرآن ١ /٣٢٢
(٤) سورة القمر /٤٩
(٥) فصلت / ١٧
(٦) الكتاب لسيبويه ١ /١٤٨
(٧) عن المنجد / ٦٥
[ ١٩ ]
المعروف أن النحويين احتجوا بالقراءات القرآنية كما احتجوا، بعموم كلام العرب، فلا يوجد كتاب من كتب النحو المعتمدة إلا واستدل بالقراءات القرآنية. وأعتقد أن ما نقل من طعن بعض النحويين في بعض القراءات، هو محمول على أن القراءة لم تثبت لديه بما تقوم به الحجة، أو لأن الذي اجتهد قد غلب على ظنه أن هذه القراءة خطأ، أو وهم من أحد الرواة الذين نقل عن طريقه هذه القراءة التي طعن فيها (١) .
وقد استمد علماء اللغة والنحو قواعدهم من كتاب الله تعالى، وكلام رسول الله ﷺ، وكلام العرب الفصيح. فقعدوا القواعد، لتكون حامية للقرآن والسنة، بل لتكون في خدمة كتاب الله. والحق أنه إذا ثبتت القراءة حسب الأركان التي مرت بنا قبل قليل، فينبغي أن تكون القراءة هي الحكم على القاعدة النحوية، لا أن نرجع نحن بالقراءة إلى القاعدة النحوية، لأن هذه القراءة مسموعة عن أفصح العرب بالإجماع، وهو رسول الله ﷺ، وهو سيد الفصحاء، وسيد أهل البيان.
ومعروف لدى الباحثين - كذلك - أن القراءات المتواترة حجة عند كثير من النحاة، وقد ارتضوها ووافقوا عليها. وأن بعض القراءات لم يرتضه بعض النحويين، فتأولها، أو عارضها معارضة صريحة أو خفية، لسبب من الأسباب
من أسباب تلحين النحويين للقراء
اعتمد النحويون في تلحين القراء على جملة من الأسباب، منها:
١- أنهم كانوا يحتكمون إلى قواعدهم التي قعدوها هم، أو قوانينهم التي سنوها، فرد البصريون قراءات متواترة، كالفصل بين المضاف والمضاف إليه، وهي قراءة ابن عامر، وكالعطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وهي قراءة حمزة، وغيرها مما سيرد - إن شاء الله - في هذا البحث.
٢- أحيانًا يخفى توجيه القراءة على بعض النحويين، فيسارع إلى ردها، كقراءة
_________________
(١) ينظر القراءات القرآنية وأثرها في التفسير والأحكام ١ / ٢٤٩
[ ٢٠ ]
(هئت لك) بكسر الهاء، وفتح التاء، التي قال عنها أبو علي الفارسي (ت ٣٧٧ هـ): (إنها وهم من الراوي) (١) . وكقراءة حمزة (إلا أن يخافا) (٢) بالبناء للمفعول، قال الفراء عنها: (ولا يعجبني ذلك) (٣) . وكقراءة ابن كثير (إن قتلهم كان خطاء كبيرًا) قال أبو حيان في البحر: (قال النحاس: لا أعرف لها وجهًا) (٤) .
٣- ينظر بعض النحويين إلى الشائع من اللغات، ويغفل عن غيره، كقراءة ابن عامر (يدعون ربهم بالغدوة) (٥) . جاء في الكتاب: في (غدوة) لغتان، اللغة الأولى استعمالها معرفة، علم جنس، فلا تدخل عليها أل، واللغة الثانية: استعمالها نكرة، فيجوز تعريفه (٦) . إلا أن أبا عبيدة لحن ابن عامر، وقال إنما قرأ تلك القراءة اتباعًا لخط المصحف، وليس في إثبات الواو في الكتاب دليل على القراءة بها، لأنهم كتبوا الصلاة والزكوة بالواو (الصلوة) (الزكوة) (٧) .
٤- رد بعض النحويين قراءة ربما وافقت القياس، كقراءة (أيمّة) بالياء، وقد قال الزمخشري: (فأما التصريح بالياء فليس بقراءة، ولا يجوز أن تكون قراءة، ومن صرح بها فهو لاحن) (٨) . وهي قراءة نافع في أحد وجهيه، من طريق طيبة النشر (٩) .
يقول ابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ): (قد أجمع الناس جميعًا أن اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح مما في غير القرآن، لا خلاف في ذلك) (١٠) .
_________________
(١) الحجة في القراءات ٤ /٤٢٠
(٢) سورة البقرة / ٢٣٩
(٣) معاني القرآن ١ / ١٤٥
(٤) البحر المحيط ٦ / ٣٢، وينظر: إعراب القرآن للنحاس ١ /٣١٤
(٥) سورة الكهف / ٢٨
(٦) الكتاب ٢ / ٤٨
(٧) البحر المحيط ٤ / ١٣٦
(٨) الكشاف ٢ / ١٤٢، وينظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم ١ / ٢٢
(٩) ينظر: غيث النفع / ١١٤ - ١١٥
(١٠) نقلًا عن المزهر في علوم العربية ١ / ٢١٣، وينظر القراءات وأثرها في التفسير ١ / ٢٤٦
[ ٢١ ]
وقد شنع ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) على النحاة الذين يردون بعض القراءات، لمخالفتها القياس بزعمهم، ثم هم يثبتون اللغة بما هو دون القراءة، فقال: (ولا عجب أعجب ممن إن وجد لامرئ القيس (ت نحو ١٣٠ - ١٨٠ ق. هـ)، أو لزهير (ت ١٣ ق. هـ)، أو لجرير (ت ١١٠ هـ) أو الحطيئة، أو الطرماح (ت نحو ١٢٥ هـ)، أو لأعرابي أسدي، أو أسلمي، أو تميمي، أو من سائر أبناء العرب بوّال على عقبيه، لفظًا في شعر، أو نثر، جعله في اللغة، وقطع به، ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد لله تعالى خالق اللغات وأهلها كلامًا لم يلتفت إليه، ولا جعله حجة، وجعل يصرفه عن وجهه، ويحرفه عن مواضعه، ويتحيل في إحالته عما أوقعه الله عليه، وإذا وجد لرسول الله - ﷺ - كلامًا فعل به مثل ذلك (١) . وسوف أناقش بعض النحاة الذين ردوا بعض القراءات المتواترة. ولما رأيت كثيرًا من النحاة يلحن قراءة ابن عامر وقراءة حمزة، أحببت أن أقدمهما، وأتوسع في مناقشة هاتين القراءتين، إن شاء الله
تعالى: