قرأ نافع وابن كثير وحمزة بتخفيف الميم (أمن)، وقرأ الباقون بالتشديد (٣) .
* التلحين:
ضعّف هذه القراءة ولحّن من قرأ بها: أبو الحسن الأخفش، فقال: (القراءة بالتخفيف ضعيفة) (٤)، وضعفها كذلك أبو حاتم (٥) .
الرد: هذ القراءة - كما هو معلوم - متواترة، رويت عن كبار القراء، إلا أنه لحّنها بعض النحويين - كما ترى - ولو تتبعنا وجوهها في العربية، لرأينا مسوغاتها اللغوية بيّنة. فالألف يجوز أن تكون للنداء، ويجوز أن تكون للاستفهام، إن أضمر معادل.
قال الفراء: الهمزة للنداء، كأنه قيل: يا من هو قانت، ويكون قوله: قل، خطابًا له (٦) .
_________________
(١) البحر المحيط ٢ / ١٤٧، وينظر: نظرية النحو القرآني /٧٦ - ٧٧.
(٢) سورة الزمر / ٩
(٣) التيسير / ١٨٩، والكشف عن وجوه القراءات السبع ١ / ٢٣٧، والموضح في وجوه القراءات ١ / ١١١٢، والنشر في القراءات العشر ٢ / ٣٦٢، والوافي في شرح الشاطبية في القراءات السبع / ٣٥٣
(٤) ينظر البحر المحيط ٩ / ١٨٩
(٥) ينظر المصدر السابق ٩ / ١٨٩
(٦) البحر المحيط ٩ / ١٨٨
[ ٣٢ ]
وقال مكي بن أبي طالب القيسي: (وحجة من خففه أنه جعله نداء، فالألف للنداء، ودليله قوله: (هل يستوي) ناداه، شبهه بالنداء، ثم أمره، ويحسن أن تكون الألف للاستفهام، على أن تضمر معادلًا للألف في آخر الكلام، تقديره: أمن هو قانت كمن هو بخلاف ذلك، ودل عليه قوله: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) . ولا بد من هذا الإضمار، لأن التسوية تحتاج إلى اثنين، وإلى جملتين، والقراءتان متقاربتان حسنتان) (١) .
ولا يختلف كلام أبي البركات بن الأنباري كثيرًا عما قاله مكي. قال ابن الأنباري:
(من قرأ بالتخفيف ففيه وجهان:
أحدهما: أن تكون الهمزة للاستفهام بمعنى التنبيه. . .
والثاني: أن تكون الهمزة للنداء، يا من هو قانت أبشر فإنك من أهل الجنة. . .)
(٢) .
وقال نصر بن علي في الموضح: (والوجه أن الألف للاستفهام، و(من) موصولة بمعنى الذي، و(هو قانت) صلتها، والتقدير: أمن هو قانت كمن جعل لله أندادًا، وليس للنداء ههنا موضع) (٣) .
وهذا أبو حيان النحوي يحتج لها من الشعر والنثر، فيقول: (أمن) بتخفيف الميم، والظاهر أن الهمزة لاستفهام التقرير، ومقابلة محذوف لفهم المعنى، والتقدير: أهذا القانت خير أم الكافر المخاطب بقوله: (قل تمتع بكفرك)؟ ويدل عليه قوله: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) . ومن حذف المقابل قول الشاعر:
دعاني إليها القلب إني لأمرها سميع فما أدري أرشد طلابها (٤)
_________________
(١) الكشف عن وجوه القراءات ٢ /٢٣٧، وينظر: النشر ٢ / ٣٤٧، وزاد المسير ٧ / ١٦٥، وتفسير النسفي ٤ /٥١.
(٢) البيان في غريب إعراب القرآن ٢ / ٣٢٢
(٣) الموضح ٣ / ١١١٢، يشير إلى الذين فسروا الهمزة بأنها حرف نداء.
(٤) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، ينظر: شرح أشعار الهذليين ١ / ٤٣، وهو من شواهد المغني برقم / ٤، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٢ / ٣٧١.
[ ٣٣ ]
تقديره: أرشد طلابها أم غيّ.