لما انتهت رئاسة علم القراءات إلى ابن مجاهد (أحمد بن يوسف بن العباس أبو بكر بن مجاهد ت ٣٢٤ هـ)، شرع في اختيار قراءات، نظر فيها إلى كل إمام اشتهرت قراءته، وفاق قراء عصره ضبطًا وإتقانًا، وطالت ممارسته للقراءة والإقراء، وشهد له أهل مصره بالأمانة في النقل وحسن الدين وكمال العلم، واتباع خط المصحف المنسوب إلى مصره، فأفرد من كل مصر إمامًا هذه صفته، قراءته على مصحف مصره، فكان أبو عمرو من أهل البصرة، وحمزة وعاصم من أهل الكوفة وسوادها، والكسائي من أهل العراق، وابن كثير من أهل مكة، وابن عامر من أهل الشام، ونافع من أهل المدينة، وكلهم ممن اشتهرت أمانته، وطال عمره في الإقراء، وارتحل الناس إليه من البلدان (٢) .
وقد علل مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ) سر اختيارهم سبعة، فقال:
(ليكونوا على وفق مصاحف الأمصار السبعة (٣)، وتيمنًا بأحرف القرآن السبعة. . . على أنه لو جعل عددهم أكثر أو أقل لم يمنع ذلك، إذ عدد القراء الموثوق بهم أكثر من أن يحصى) (٤) .
_________________
(١) الإتقان في علوم القرآن ١ / ١٠٤. وينظر: الوجيز في أصول القراءات وتوجيهها من لغة العرب / ٢
(٢) الإبانة / ٤٧، ٤٨
(٣) بزيادة مصحف لأهل اليمن، ومصحف لأهل البحرين إلى الخمسة المشهورة، ولم يجد ابن مجاهد إمامين في هذين المصرين، فاستعاض عنهما بإمامين من أهل الكوفة، لكثرة القراء بها، قاله أبو شامة في مرشد المقرئين / ١٦٢، وينظر: من قضايا القرآن / ١٥٧، ١٥٨.
(٤) الإبانة / ٥١
[ ١٥ ]
ولعل من المفيد أن نستعرض هؤلاء الأئمة الذين اختارهم ابن مجاهد، حسب ترتيب الإمام الشاطبي لهم في (حرز الأماني)، وحسب ترتيب ابن الجزري لهم في طيبة
النشر:
الأول: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي: اختلف في كنيته، فقيل: أبو رويم، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو الحسن. قال نافع: (قال لي أستاذي أبو جعفر: قد عرفنا اسمك، فما كنيتك؟ فقلت: إن أبي سماني نافعًا، ترى أن تكنيني؟ فقال: أنت وجهك حسن، وخلقك حسن، وقراءتك حسنة، وأنت أبو الحسن) (١)، إمام أهل المدينة في القراءة، قرأ على سبعين من التابعين، وأقرأ الناس دهرًا طويلًا. قال عنه الإمام مالك: نافع إمام الناس في القراءة، (ت ١٦٩ هـ) (٢) .
الثاني: عبد الله بن كثير، بن عمرو، بن عبد الله، بن زاذان، عبد المطلب الداري المكي، أبو معبد، وقيل أبو محمد، وقيل أبو بكر، وقيل: أبو عباد، وقيل: أبو المطلب، إمام أهل مكة في القراءة، تصدر للإقراء وصار إمام أهل مكة في ضبط القرآن. كان فصيحًا بليغًا، قال عنه الأصمعي: كان ابن كثير أعلم بالعربية من مجاهد بن جبر، وما زال هو الإمام المجمع عليه بالقراءة حتى مات سنة (١٢٠ هـ) (٣)
_________________
(١) ينظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٥/ ٣٦٨ - ٣٦٩، وسير أعلام النبلاء ٧ / ٣٣٦ - ٣٣٨، وغاية النهاية ٢ / ٣٣٠، وتهذيب التهذيب ١٠ / ٤٠٧ - ٤٠٨، وشذرات الذهب ١ / ٢٧٠، وغاية الاختصار في قراءات العشرة أئمة الأمصار ١ / ١٢، ومعرفة القراء الكبار ١ / ١٠٧
(٢) ينظر: غاية النهاية ٢ / ٣٣٠، معرة القراء الكبار ١/ ١٠٨
(٣) ينظر ترجمته في هداية القاري / ٢٨، ووفيات الأعيان ٣ / ٤١ - ٤٢، وسير أعلام النبلاء ٥ ٣١٨ - ٣٢٢، وتهذيب التهذيب ٥ / ٣٦٧، وشذرات الذهب ١ / ١٥٧.
[ ١٦ ]
الثالث: أبو عمرو زبان بن العلاء عمار بن العريان بن عبد الله المازني البصري. ولد بمكة، ونشأ بالبصرة، ومات بالكوفة (١)، قرأ بالكوفة والبصرة على جماعة كثر، وليس في القراء السبعة أكثر شيوخًا منه، سمع أنس بن مالك، كان عالمًا بالقرآن والعربية، مع الثقة والأمانة والدين، قال عنه يونس بن حبيب: والله لو قسم علم أبي عمرو وزهده على مائة إنسان، لكانوا كلهم علماء زهادًا، والله لو رآه رسول الله ﷺ لسره ما هو عليه. توفي بالكوفة سنة (١٥٤ هـ) (٢) .
الرابع: أبو عمران عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليحصبي الشامي، (من يحصب دهمان) (٣) . عربي صريح النسب، قال عنه الإمام ابن الجزري: بلغت قراءته التواتر، كيف وقارئها ابن عامر من كبار التابعين، الذين أخذوا القراءة عن الصحابة) (٤)، كان إمام جامع دمشق وقاضيها وشيخ الإقراء بها. توفي بدمشق سنة (١١٨هـ) (٥) .
_________________
(١) غاية الاختصار ١ / ٣٥
(٢) ينظر ترجمته في هداية القاري / ٦٤٨، ووفيات الأعيان ٣ / ٤٦٦ – ٤٧٠، وسير أعلام النبلاء ٦ / ٤٠٧ – ٤١٠، وتهذيب التهذيب ١٢ / ١٧٨، وشذرات الذهب ١ / ٢٣٧ – ٢٣٨.
(٣) ينظر: جمهرة أنساب العرب / ٤٧٨
(٤) النشر في القراءات العشر ٢/ ٢٦٢
(٥) ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٥ / ٢٩٢، وغاية النهاية في طبقات القراء ١ / ٤٢٣ – ٤٢٥، وتهذيب التهذيب ٥ / ٢٧٤، وشذرات الذهب ١ / ١٥٦، وغاية الاختصار في قراءات العشرة أئمة الأمصار ١ / ٢٩، والطبقات الكبرى لابن سعد ٧ / ٤٤٩.
[ ١٧ ]
الخامس: أبو بكر عاصم بن أبي النجود، واسم أبي النجود: بهدلة، الأسدي، شيخ الإقراء بالكوفة، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد السلمي، فجلس في موضعه، ورحل إليه الناس من الأقطار، جمع بين الفصاحة والإتقان، كان ضابطًا صدوقًا، روى عنه أبو عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد، وعدد كبير من الأئمة، توفي على أرجح الأقوال سنة (١٢٧ هـ) (١) .
السادس: أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزيات التميمي الكوفي، كانت له الإمامة في الإقراء بعد عاصم، كان حجة ثقةً ثبتًا بصيرًا بالفرائض عالمًا بالعربية، حافظًا للحديث، فقال عنه سفيان الثوري: (غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض) (توفي سنة ١٥٦ هـ) (٢) .
السابع: علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الأسدي الكسائي الكوفي، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة الزيات، أخذ اللغة عن الخليل بن أحمد، فصار إمامًا في القراءات واللغة والنحو، وإمامًا للمدرسة النحوية الكوفية، توفي سنة (١٨٩ هـ) (٣) .
_________________
(١) ينظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٢ / ١٠٩، وسير أعلام النبلاء ٥ ٢٥٦، غاية النهاية ١ /٣٤٦ - ٣٤٩، وتهذيب التهذيب ٥ / ٣٨، ومعرفة القراء الكبار ١ / ٨٨، وهداية القاري / ٢٨.
(٢) ينظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٦ / ٣٨٥، ووفيات الأعيان ٢ / ٢١٦، وسير أعلام النبلاء ٧ / ٩٠ - ٩٢، وغاية النهاية ١ / ٢٦١ - ٢٦٣، وشذرات الذهب ١ / ٢٤٠، ومعرفة القراء الكبار ١ / ١١٠، غاية الاختصار ١ / ٥٦، شرح طيبة النشر / ١٠، وهداية القاري / ٦٤٨.
(٣) ينظر: غاية النهاية ١ / ٦٢، ووفيات الأعيان ٣ ٢٩٥ - ٢٩٧، وسير أعلام النبلاء ٩ / ١٣١، وتهذيب التهذيب ٧ / ٣١٣ - ٣١٤، وشذرات الذهب ١ / ٣٢١، ومعرفة القراء الكبار ١ / ١٢٠، وهداية القاري / ٦٨٥.
[ ١٨ ]