عاصر الداني من أهل قرطبة مجموعة من القراء، كان على رأسهم: أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن سعيد القرطبي، مسند أهل الأندلس في زمانه (ت ٤٤٦) «١»، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الصناع القرطبي (ت ٤٤٨) «٢»، ومكي بن أبي طالب الإمام الكبير (ت ٤٣٧). رحل إلى قرطبة، وجلس في جامعها للإقراء «٣»، غير أن الداني كان نسيج وحده في علوم القراءات، فقد اجتهد في طلب القراءات، وجدّ في عرض الروايات على الشيوخ، ورواية الحروف عنهم في قرطبة، وإستجة، وبجّانة، وسرقسطة، وغيرها من بلاد الأندلس «٤»، ورحل إلى مصر فعرض وروى عن كبار قرائها في ذلك الزمن، الشيء الكثير، حتى غدا أعجوبة العصر في سعة الرواية وكثرتها.
ويحدثنا الداني عن طريقته في الطلب والتحصيل، فيقول:" ما رأيت شيئا قط إلا
_________________
(١) انظر ترجمته: في معرفة القراء ١/ ٤١٠.
(٢) المصدر السابق ١٤١١.
(٣) المصدر السابق ١/ ٣٩٥.
(٤) الصلة: ٢/ ٣٨٥.
[ ١ / ١٤ ]
كتبته، ولا كتبته إلا وحفظته، ولا حفظته فنسيته" «١»، وهذا القول ليس فيه خيال، ولا تكثر بما لم يعطه، فكتب الرجل وآثاره ناطقة بواقعية ما قال وصدقه، وهذا ابن الجزري الإمام الثبت، يقول معقبا على قول الداني السابق:" ومن نظر كتبه علم مقدار الرجل، وما وهبه الله تعالى فيه، فسبحان الفتاح العليم، ولا سيما كتاب جامع البيان فيما رواه في القراءات السبع" «٢». وابن الجزري من أوثق الناس صلة بكتب الداني، ومعرفة بقيمتها.
ولو أتينا إلى كتاب جامع البيان، لوجدنا الداني يروي لنا القراءات السبع من أربعين رواية، ومائة وستين طريقا، حتى إذا أخذت تحصي أسانيده بالتفصيل وجدتها تزيد على الأربع مائة طريق، كل ذلك عن الأئمة السبعة فقط.
ولم يكن ذلك على كثرته ووفرته هو كل ما روى في القراءات، بل إن عنده في السبع وراء ذلك روايات وطرقا، لم يدخلها في جامع البيان. يقول الداني في جامع البيان، بعد أن فصّل أسانيده فيه:" فهذه الأسانيد التي أدت إلينا القراءة عن أئمة القراءة السبعة بالأمصار، من الروايات والطرق المذكورة في صدر الكتاب، قد ذكرناها على حسب ما انتهت إلينا رواية وتلاوة، وتركنا كثيرا منها؛ اكتفاء بما ذكرناه عما سواه، مع رغبتنا في الاختصار، وترك الإطالة والإكثار" «٣».
ولو عدنا إلى كتابه (الإشارة بلطيف العبارة، في القراءات المأثورات، بالروايات المشهورات) لوجدناه يضم فيه إلى السبع قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني (ت ١٣٢)، وقراءة أبي محمد يعقوب بن إسحاق البصري (ت ٢٠٥)، وأبي محمد خلف بن هشام البزار الكوفي (ت ٢٢٩) وحتى في القراءات السبع، يذكر فيه روايات لم يدخلها في جامع البيان، مثل رواية العباس بن الفضل الأنصاري قاضي الموصل (ت ١٨٦)، وأبي عبد الله محمد بن عمر بن عبد الله بن رومي البصري عن أبي عمرو بن العلاء، وغيرهما عن غير أبي عمرو من السبعة.
وهكذا نرى أن أبا عمرو الداني قد جمع الكثير والكثير من الروايات في علم القراءة عن السبعة وغيرهم، بحيث يتبدى لك قول ابن الجزري عن جامع البيان
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٨/ ٨٠، غاية النهاية ١/ ٥٠٤.
(٢) غاية النهاية ١/ ٥٠٤.
(٣) انظر: جامع البيان الفقرة: ١٠٠٣.
[ ١ / ١٥ ]
" قيل: إنه جمع فيه كل ما يعلمه في هذا العلم" «١» وهذا القول غير مسلّم به، وإن كان جامع البيان قد حوى ما يعجب ويدهش، فالرجل قد أوتي حظا وافرا، ونصيبا كبيرا
من العلم، جعله يتبوأ في علوم القراءات مرتبة" الأستاذين، وشيخ مشايخ المقرئين" «٢» عن جدارة واستحقاق.