٨٤ - وأمّا على كم معنى يشتمل اختلاف هذه السبعة أحرف، فإنه يشتمل على ثلاثة معان يحيط بها كلها: أحدها: اختلاف اللفظ والمعنى واحد، والثاني: اختلاف اللفظ والمعنى جميعا مع جواز أن يجتمعا في شيء واحد لعدم تضادّ اجتماعهما فيه. والثالث:
اختلاف اللفظ والمعنى مع امتناع جواز أن يجتمعا في شيء واحد لاستحالة اجتماعهما فيه، ونحن نبيّن ذلك إن شاء الله.
٨٥ - فأما اختلاف اللفظ والمعنى واحد فنحو قوله: السّراط [الفاتحة: ٦] بالسين، والصّراط بالصاد، والزراط بالزاي وعليهم «٢» [الفاتحة: ٧] وإليهم [آل عمران: ٧٧] ولديهم [آل عمران: ٤٤] بضم الهاء مع إسكان الميم، وبكسر الهاء مع ضمّ الميم وإسكانها، وفيه هدى [البقرة: ٢] وعليه كنز [هود: ١٢] ومنه ءايت [آل عمران: ٧] وعنه ماله [المسد: ٢] بصلة الهاء وبغير صلتها «٣»، ويؤدّه إليك [آل عمران: ٧٥] ونؤته منها [آل عمران: ١٤٥] وفألقه إليهم «٤» [النمل: ٢٨] بإسكان الهاء وبكسرها مع صلتها واختلاسها «٥». وأكلها [البقرة: ٢٦٥] وفى الأكل «٦» [الرعد: ٤] بإسكان الكاف وبضمّها وإلى ميسرة «٧» [البقرة: ٢٨٠] بضم السين وبفتحها، ويعرشون «٨» [النحل: ٦٨] بكسر الراء وبضمها، وكذلك ما أشبهه ونحو ذلك البيان والإدغام والمدّ والقصر والفتح والإمالة وتحقيق الهمز وتخفيفه وشبهه «٩» مما يطلق عليه أنه لغات فقط.
_________________
(١) انظر الفقرة/ ٤٠.
(٢) انظر النشر ١/ ٢٧٢، السبعة/ ١٠٨.
(٣) انظر تفصيل خلاف القراء في صلة هاء الكناية، وعدم صلتها، في النشر ١/ ٣٠٤، السبعة/ ١٣٠. وسيأتي عند المؤلف باب خاص بهذا البحث.
(٤) انظر أحكام هذه الحروف في النشر ١/ ٣٠٥، السبعة/ ٢٠٧.
(٥) المراد بالاختلاس هنا، كسر الهاء دون صلة، انظر البدور الزاهرة للقاضي/ ٦٦.
(٦) انظر أحكام هذين الحرفين في النشر ٢/ ٢١٦، السبعة/ ١٩٠.
(٧) انظرها في النشر ٢/ ٢٣٦، السبعة/ ١٩٢.
(٨) تقدم هذا الحرف في الفقرة/ ٧٣.
(٩) انظر أمثلة ذلك في الأبواب الخاصة بهذه الأبحاث.
[ ١ / ١٢٠ ]
٨٦ - وأما اختلاف اللفظ والمعنى جميعا مع جواز اجتماع القراءتين في شيء واحد من أجل عدم تضادّ اجتماعهما فيه، فنحو قوله تعالى: ملك يوم الدين [الفاتحة: ٤] بألف، وملك بغير ألف؛ لأن المراد بهاتين القراءتين جميعا هو الله ﷾، وذلك أنه تعالى مالك يوم الدين. وملكه، فقد اجتمع له الوصفان جميعا، فأخبر الله تعالى بذلك في القراءتين «١».
٨٧ - وكذا: بما كانوا يكذبون «٢» [البقرة: ١٠] بتخفيف الذال وبتشديدها؛ لأن المراد بهاتين القراءتين جميعا هم المنافقون، وذلك أنهم كانوا يكذبون في أخبارهم ويكذّبون النبيّ ﷺ فيما جاء به من عند الله تعالى، فالأمران جميعا مجتمعان لهم، فأخبر الله تعالى بذلك عنهم، وأعلمنا أنه معذّبهم بهما «٣».
٨٨ - وكذا قوله تعالى: كيف ننشزها «٤» [البقرة: ٢٥٩] بالراء وبالزاي؛ لأن المراد بهاتين القراءتين جميعا هي العظام، وذلك أن الله تعالى أنشرها أي: أحياها وأنشزها أي: رفع بعضها إلى بعض حتى التأمت، فأخبر سبحانه أنه جمع لها هذين الأمرين من إحيائها بعد الممات، ورفع بعضها إلى بعض لتلتئم، فضمّن تعالى المعنيين في القراءتين تنبيها على عظيم قدرته «٥».
٨٩ - وكذا قوله تعالى: واتّخذوا من مّقام إبرهم مصلى «٦» [البقرة: ١٢٥] بكسر الخاء على الأمر وبفتحها على الخبر؛ لأن المراد بالقراءتين جميعا هم المسلمون، وذلك أن الله تعالى أمرهم باتخاذهم مقام إبراهيم مصلى، فلما امتثلوا ذلك وفعلوه أخبر به عنهم فجاءت القراءة بالأمرين جميعا للدلالة على اجتماعهما لهم، فهما صحيحان غير
متضادّين ولا متنافيين «٧».
_________________
(١) انظر الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب ١/ ٢٥، وحجة القراءات لابن زنجلة الفقيه/ ٧٧.
(٢) تقدم هذا الحرف في الفقرة/ ٦٦.
(٣) انظر الكشف لمكي ١/ ٢٢٧ وحجة القراءات لابن زنجلة/ ٨٨.
(٤) تقدم هذا الحرف في الفقرة/ ٦٠.
(٥) انظر الكشف لمكي ١/ ٣١٠، حجة القراءات/ ١٤٤.
(٦) تقدم هذا الحرف في الفقرة/ ٧١.
(٧) انظر الكشف ١/ ٢٦٣.
[ ١ / ١٢١ ]
٩٠ - وكذا قوله: وما هو على الغيب بضنين «١» [التكوير: ٢٤] بالظاء وبضنين وبالضاد؛ لأن المراد بهاتين القراءتين جميعا هو النبي ﷺ، وذلك أنه كان غير ظنين على الغيب، أي: غير متّهم فيما أخبر به عن الله تعالى، وغير ضنين به، أي: غير بخيل بتعليم ما علمه الله وأنزله إليه، فقد انتفى عنه الأمران جميعا، فأخبر الله تعالى عنه بهما في القراءتين «٢»، وكذا ما أشبهه.
٩١ - وأما اختلاف اللفظ والمعنى جميعا مع امتناع جواز اجتماعهما «٣» في شيء واحد لاستحالة اجتماعهما فيه، فكقراءة من قرأ: وظنّوا أنّهم قد كذبوا «٤» [يوسف: ١١٠] بالتشديد؛ لأن المعنى: وتيقن الرسل أن قومهم قد كذّبوهم، وقراءة من قرأ قد كذبوا بالتخفيف؛ لأن المعنى: وتوهم المرسل إليهم أن الرسل قد كذّبوهم فيما أخبروهم به من أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل العذاب بهم، فالظن في القراءة الأولى يقين والضمير الأول [للرسل، والثاني] «٥» للمرسل إليهم، والظن في القراءة الثانية شك، والضمير الأول للمرسل إليهم والثاني للرسل «٦».
٩٢ - وكذا قراءة من قرأ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلّا ربّ السّموت والأرض بصائر «٧» [الإسراء: ١٠٢] بضم التاء، وذلك أنه أسند هذا العلم إلى موسى ﵇ حديثا منه لفرعون حيث قال: إنّ رسولكم الّذى أرسل إليكم لمجنون [الشعراء:
٢٧]، فقال له موسى ﵇ عند ذلك: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلّا ربّ السّموت والأرض بصائر [الإسراء: ١٠٢] فأخبر ﵇ عن نفسه بالعلم بذلك [أي] «٨» ليس بمجنون، وقراءة من قرأ لقد علمت بفتح التاء، وذلك أنه أسند هذا العلم إلى فرعون مخاطبة من موسى له بذلك على وجه التقريع والتوبيخ له على شدّة
_________________
(١) تقدم هذا الحرف في الفقرة/ ٦٠.
(٢) انظر الكشف ٢/ ٣٦٤، وحجة القراءات/ ٧٥٢.
(٣) في ت، م: (امتناعهما): وهو خطأ لا يستقيم به السياق.
(٤) انظرها في النشر ٢/ ٢٩٦، السبعة/ ٣٥١.
(٥) زيادة يقتضيها السياق.
(٦) في ت، م: (للمرسل): وهو خطأ، وانظر حجة القراءات/ ٣٦٦، والكشف لمكي ٢/ ١٥.
(٧) انظرها في النشر ٢/ ٣٠٩، السبعة/ ٣٨٥.
(٨) زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ١٢٢ ]
معاندته للحق وجحوده له بعد علمه، ولذلك أخبر «١» ﵎ عنه وعن قومه فقال: فلمّا جاءتهم ءايتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين* وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوّا «٢» [النمل: ١٣، ١٤] الآية.
٩٣ - وكذلك ما ورد من هذا النوع من اختلاف القراءتين التي لا يصحّ أن يجتمعا في شيء واحد هذا سبيله؛ لأن كل قراءة منهما بمنزلة آية قائمة بنفسها لا يصحّ أن يجتمع مع آية أخرى تخالفها في شيء واحد لتضادهما وتنافيهما.