النحو عند أهل الأندلس في نهاية من علوّ الطبقة، وكل عالم في أي علم لا يكون متمكنا من علم النحو بحيث لا تخفى عليه الدقائق، فليس عندهم بمستحق للتمييز، ولا سالم من الازدراء «٩».
ومن هنا نرى الداني واسع الاطلاع على النحو، محيطا بمذاهب النحويين
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٨/ ٨١.
(٢) انظر الفقرات: ١١٧، ١١٨، ١٢١ من جامع البيان.
(٣) انظر الفقرات: ٢٥٠، ٢٩٩، ٣٢٥، ٣٢٧، ٣٤٨، ٣٤٩ من جامع البيان.
(٤) ٣/ ١١٢٠.
(٥) الصلة: ٢/ ٣٨٦.
(٦) غاية النهاية ١/ ٥٠٤.
(٧) انظر فتح المغيث للسخاوي ١/ ١٥٨.
(٨) انظر تهذيب الكمال ١/ ٣٠٢ ترجمة حفص بن سليمان البزاز، وانظر الفقرة: ٣٢٥ من جامع البيان.
(٩) انظر: نفح الطيب ١/ ٢٢١.
[ ١ / ٢١ ]
واختلافهم: بصريّهم وكوفيّهم على حدّ سواء، فتراه في مواضع من كتابه جامع البيان ينقل اختلاف النحويين نقل الخبير البصير، ويحكم برجحان الراجح من آرائهم، ويؤيد حكمه بالدلائل البيّنة والحجج الظاهرة، فيقول في الخلاف في الاسم المقصور المنون مثل (هدى): إذا وقف عليه، وأبدل من التنوين ألف، وقبلها الألف المنقلبة عن الياء، فيجتمع ألفان، فيلزم حذف إحداهما، يقول الداني:" وقد اختلف علماء العربية في أيهما المحذوفة، فقال الكوفيون منهم، وبعض البصريين: المحذوفة للساكنين منهما هي المبدلة من التنوين؛ لكون ما أبدلت منه زائدا، والثابتة هي المنقلبة عن الياء؛ لكون ما انقلبت عنه أصليا.
" وقال اكثر البصريين: المحذوفة منهما هي المنقلبة عن الياء؛ لكونها أول الساكنين، والثابتة هي المبدلة من التنوين؛ لكون ما أبدلت منه دالا على معنى يذهب بذهابها
قال أبو عمرو: أوجه القولين وأولاهما بالصحة، قول من قال: إن المحذوفة هي المبدلة من التنوين، لجهات ثلاث قال أبو عمرو: فمن أخذ بقول الكوفيين والخليل وسيبويه ومن وافقهما: وقف على جميع ما تقدم، من المنصوب الذي يصحبه التنوين، في مذهب حمزة والكسائي بالإمالة ومن أخذ بقول بعض البصريين: المازني ومحمد بن يزيد ومن تبعهما: وقف على جميع ذلك في مذهب من رأى الإمالة الخالصة والإمالة اليسيرة بإخلاص الفتح. والعمل عند القراء وأهل الأداء على الأوّل، وبه أقول لورود النص المذكور به ودلالة القياس على صحته" «١».
وتراه في مواضع أخرى ينقل اتفاق النحويين أجمعين، وينفي وجود خلاف بينهم، مما يدل على إحاطته بآرائهم ومذاهبهم. فيقول:" وهذا مذهب النحويين أجمعين، ولا أعلم بينهم خلافا" «٢». ويقول:" وهو مذهب جميع النحويين" «٣».
وللداني عناية خاصة بكتاب سيبويه، فقد أحسن الاستشهاد بنصوصه في مواضع كثيرة من (جامع البيان) «٤»، مما يعطي انطباعا بوجود ميول بصرية عنده وإن كنا نراه في مواضع من (جامع البيان) يساير الكوفيين، فيعرف العدد والمعدود «٥»، ويستعمل
_________________
(١) انظر الفقرات: ٢٢٧٦ - ٢٢٨٠ من جامع البيان.
(٢) جامع البيان: الفقرة ١٥٣٢.
(٣) جامع البيان: الفقرة ١٦٧٦.
(٤) جامع البيان: الفقرات: ١٣٢٣، ٢٣١١، ٢٥٥٨، ٢٥٦٨، ٢٥٧١.
(٥) جامع البيان: الفقرات: ١٣٩٣، ١٤٥٠، ١٥٦٠.
[ ١ / ٢٢ ]
(الذي) للمفرد والجمع «١».
وتمكن الداني من علم النحو، وتبحره فيه جعله من النحويين المرموقين، الذين يترجم لهم في طبقات النحاة، بل إن أبا حيان الأندلسي ينقل رأيه في موضوع لغوي.
فيقول:" وذهب الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني صاحب التصانيف في القراءات إلى أن وزنه- أي عيسى- فعلل" «٢».