١٠٣ - فأما الخبر الذي رويناه عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: كان الكتاب الأول نزل من باب واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف:
زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال «١» إلى آخره.
١٠٤ - في السبعة أحرف التي ذكرها ﷺ، في هذا الخبر وجهان: أحدهما: أنها غير السبعة الأحرف التي ذكرها في الأخبار المتقدمة، وذلك من حديث فسّرها في هذا الخبر، فقال: «زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال» وأمر أمته أن يحلّوا حلاله ويحرّموا حرامه، ويفعلوا ما أمروا به وينتهوا عمّا نهوا عنه، ويعتبروا
_________________
(١) تتمة الحديث (فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا). - أخرجه الطبري في التفسير (١/ ٦٨) من طريق سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه عن ابن مسعود عن النبي ﷺ. وابن حبان في صحيحه كذلك. انظر موارد الظمآن/ ٤٤١، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٣) كذلك، وقال، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. ورواه أبو عبيد في فضائل القرآن برقم/ ٧٩ مرسلا. قال ابن عبد البر: هذا حديث عند أهل العلم لم يثبت، وأبو سلمة لم يلق ابن مسعود، وابنه سلمة ليس ممن يحتج به، وهذا الحديث مجتمع على ضعفه من جهة إسناده. اهـ. انظر المرشد الوجيز/ ١٠٧، ونقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٢٩) وأقره. قلت: ورواه الطبري في التفسير (١/ ٦٩) موقوفا على ابن مسعود. قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا المحاربي، عن الأحوص بن حكيم، عن ضمرة بن حبيب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود قال: إن القرآن أنزل على خمسة أحرف الحديث. فنقص من عدته. ولعل تصرف ابن مسعود في العدد يرجح جانب الوقف على الرفع، مما دعا ابن كثير في الفضائل/ ١٩ - وساق رواية الرفع ثم إسناد الوقف- إلى القول عن الموقوف: وهو أشبه. - وأخرج الإمام أحمد في المسند (١/ ٤٤٥) برقم (٤٢٥٢) وابن أبي داود في المصاحف/ ١٨ من طريق فلفلة الجعفي قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف، فدخلنا عليه، فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين، ولكن جئناك حين راعنا هذا الخبر، فقال: إن القرآن نزل على نبيكم ﷺ على سبعة أحرف، أو قال على حروف، وإن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد. اهـ وصحح أحمد شاكر إسناده.
[ ١ / ١٢٧ ]
بأمثاله، ويعملوا بمحكمه، ويؤمنوا بمتشابهه. ثم أكّد ذلك بأن أمرهم أن يقولوا: ءامنّا به كلّ من عند ربّنا [آل عمران: ٧] فدلّ ذلك كله على أن هذه الأحرف غير تلك الأحرف التي هي: اللغات والقراءات «١» وأنه ﷺ أراد بذكر الأحرف في هذا الخبر التنبيه على فضل القرآن على سائر الكتب، وأن الله سبحانه قد جمع فيه من خلال الخير ما لم يجمعه فيها.
١٠٥ - فأما قوله في هذا الخبر: كان الكتاب الأول «٢» نزل من باب واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب، فمعناه: أن الكتاب الأول نزل خاليا من الحدود والأحكام والحلال والحرام، كزبور داود الذي هو تذكير ومواعظ، وإنجيل عيسى الذي هو تمجيد ومحامد وحضّ على الصّفح والإعراض دون غير ذلك من الأحكام والشرائع.
وكذلك ما أشبه ذلك من الكتب المنزّلة ببعض المعاني السبعة التي يحوي جميعها كتابنا الذي خصّ الله تعالى [به] «٣» نبيّنا وأمّته، فلم يكن المتعبّدون بإقامته يجدون لرضى الله مطلبا ينالون [به] «٤» الجنة ويستوجبون [به] «٥» منه القربة إلا من الوجه الواحد الذي نزل به كتابهم وذلك هو [الباب] «٦» الواحد من أبواب الجنة الذي نزل منه ذلك الكتاب.
١٠٦ - والوجه الثاني: أن السبعة الأحرف في هذا الخبر هي السبعة الأحرف المذكورة في الأخبار المتقدمة التي هي اللغات والقراءات، ويكون قوله:- «زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال» - تفسيرا للسبعة «٧» أبواب التي هي من الجنة لا تفسيرا للسبعة الأحرف؛ لأن العامل إذا عمل بها وانتهى إلى حدودها استوجب بذلك الجنة. وكلا «٨» الوجهين في تأويل الحديث بيّن ظاهر. وعلى الأول أكثر العلماء وبالله التوفيق.
_________________
(١) نقل أبو شامة في المرشد الوجيز/ ١٠٨ عن البيهقي من قوله في كتاب (المدخل) ما يؤيد هذا المعنى.
(٢) من هنا لى نهاية الفقرة أخذه المؤلف من مقدمة تفسير الطبري بنصه. انظر تفسير الطبري ١/ ٧١.
(٣) و(٤) و(٥) و(٦) زيادة من تفسير الطبري ١/ ٧١.
(٤) سقط من ت.
(٥) انظر تفسير الطبري ١/ ٤٧، والمرشد الوجيز/ ١٠٩، وقد ذكر أبو شامة وجها ثالثا نقله عن الأهوازي، وأبي العلاء الهمذاني، وهو أن قوله زاجر وآمر، الخ استئناف كلام آخر، أي هو كذلك، ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة المرشد الوجيز/ ١٠٨.
[ ١ / ١٢٨ ]