نشأ الداني في قرطبة، التي يعتبر الأندلسيون عمل أهلها حجة في الفقه، فطلب الفقه في الأندلس، وفي مصر «٣»، ومما قرأه في الأندلس على شيخه الفقيه ابن أبي زمنين كتاب (المغرب في اختصار المدونة)، وكتاب (المشتمل في الوثائق)، وكتاب (منتخب الأحكام)، وهي من تصنيف شيخ الداني هذا «٤». ولا ريب أن الداني بلغ في الفقه مرتبة عالية، أدخلته في (الديباج المذهب)، و(شجرة النور الزكيّة)، وجعلت ابن الجزري يذكر الفقه مع العلوم التي برز فيها الداني «٥».
غير أنه لم يذكر أحد لنا شيئا عن نشاطه الفقهي، ولا حتى حدود دراسته الفقهية ومدى عمقها، وإن كنّا نرجّح أنه لم يتعدّ حدود مذهب مالك، لأنه يدعو صراحة في أرجوزته إلى اتباع مذهب مالك فيقول «٦»:
واعتمدن على الإمام مالك إذ قد حوى على جميع ذلك
في الفقه والفتوى إليه المنتهى وصحّة النّقل وعلم من مضى
وبعد، فللداني وراء ذلك اهتمامات علمية، ونشاطات تأليفية، في العقيدة وغيرها، وكان يقرض الشعر على قلة، ولعله يرى أن الإغراق في الشعر ينافي جلال العلم، واستقامة السيرة، مع أنه نظم عدة أراجيز، إحداها في أصول السنة والاعتقاد،
_________________
(١) جامع البيان: الفقرات: ٧، ١٦٩٠.
(٢) البحر المحيط ١/ ٢٩٧.
(٣) معجم الأدباء ١٢/ ١٢٧.
(٤) انظر فهرسة ابن خير: ٢٥١.
(٥) غاية النهاية ١/ ٥٠٤.
(٦) سير أعلام النبلاء ١٨/ ٨٢.
[ ١ / ٢٣ ]
تبلغ ثلاثة آلاف بيت.
وذكر الحميدي «١» ثلاثة أبيات من شعره، يظهر فيها سبب عزوفه عن الأدب، فيقول:
قد قلت إذ ذكروا حال الزمان وما يجري على كل من يعزى إلى الأدب
لا شيء أبلغ من ذل يجرعه أهل الخساسة أهل الدين والحسب
القائمين بما جاء الرسول به والمبغضين لأهل الزيغ والريب
وقد عاصر الداني في الأندلس أبا محمد علي بن أحمد بن حزم (ت ٤٥٦) وكانت بينهما وحشة ومنافرة شديدة، أفضت بهما إلى التهاجي، ولكل واحد منهما في الآخر هجاء يقذع فيه «٢»، غفر الله لهما، غير أنه كما قال الذهبي: وأبو عمرو أقوم قيلا، وأتبع للسنة «٣».
وجرت كذلك مقاطعة بين أبي عمرو وتلميذه أبي محمد عبد الله بن سهل بعد عودة الأخير من رحلته إلى المشرق، مع أنه كان قد لازم الداني قبل ذلك ثمانية عشر عاما «٤».
ومهما يكن من أمر فأبو عمرو كما يقول ابن بشكوال:" كان دينا، فاضلا، ورعا، قال المغامي: كان أبو عمرو مجاب الدعوة" «٥». ﵀، وغفر له ولنا وللمسلمين.
_________________
(١) جذوة المقتبس: ٣٠٥، وانظر معجم الأدباء ١٢/ ١٢٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٨/ ٨١، غاية النهاية ١/ ٥٠٥، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٧٥.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٨/ ٨١.
(٤) انظر معرفة القراء ١/ ٤٣٧.
(٥) الصلة ٢/ ٣٨٦.
[ ١ / ٢٤ ]