١٠٧ - قال أبو عمرو: وجملة ما نعتقده من هذا الباب وغيره من إنزال القرآن وكتابته وجمعه وتأويله وقراءته ووجوهه ونذهب إليه ونختاره: أن القرآن منزّل على سبعة أحرف «١» كلها شاف كاف وحق وصواب وأن الله تعالى قد خيّر القرّاء في جميعها وصوّبهم إذا قرءوا بشيء منها، وأن هذه الأحرف السبعة المختلف معانيها تارة وألفاظها تارة مع اتفاق المعنى ليس فيها تضادّ ولا تناف للمعنى ولا إحالة ولا فساد، وإنّا لا ندري حقيقة أيّ هذه السبعة الأحرف كان آخر العرض أو آخر العرض كان ببعضها دون جميعها، وأن جميع هذه السبعة أحرف قد كانت ظهرت واستفاضت عن رسول الله ﷺ وضبطتها الأمة على اختلافها عنه، وتلقّيها منه، ولم يكن شيء منها مشكوكا فيه ولا مرتابا به.
١٠٨ - وأن [٧/ ظ] أمير المؤمنين عثمان ﵁ ومن بالحضرة من جميع الصحابة قد أثبتوا جميع «٢» تلك الأحرف في المصاحف وأخبروا بصحتها وأعلموا بصوابها وخيّروا الناس فيها كما كان صنع رسول الله ﷺ، وأن من هذه الأحرف حرف أبيّ بن كعب، وحرف عبد الله بن مسعود، وحرف زيد بن ثابت، وأن عثمان رحمه الله تعالى والجماعة إنما طرحوا حروفا وقراءات باطلة غير معروفة ولا ثابتة بل منقولة عن الرسول ﷺ نقل الأحاديث التي لا يجوز إثبات قرآن وقراءات بها.
١٠٩ - وأن معنى إضافة كل حرف مما أنزل الله تعالى إلى من أضيف من
_________________
(١) سقطت (أحرف) من ت.
(٢) انظر قصة نسخ عثمان المصاحف في صحيح البخاري باب جمع القرآن من كتاب فضائل القرآن. وأما أن عثمان أثبت جميع الأحرف السبعة في المصاحف أو أثبت بعضها، أو أثبت حرفا واحدا منها. قضية خلافية مشهورة، قال بكل قول منها جماعة من العلماء: فذهب إلى القول الأول جماعات من العلماء، والمؤلف هو ممن قال بالأول. انظر النشر ١/ ٣١. وذهب إلى الثاني ابن الجزري، ونسبة إلى جماهير العلماء من السلف والخلف النشر ١/ ٣١. وممن قال بالثالث ابن جرير الطبري. انظر تفسير الطبري ١/ ٦٣. وهذا الاختلاف هو فروع الاختلاف في المراد بالأحرف السبعة. وسيأتي في الفقرة/ ٥٢٢ أن قراءة زيد هي التي جمع عثمان الناس عليها، وهو مخالف لرأي المؤلف هنا.
[ ١ / ١٢٩ ]
الصحابة كأبيّ وعبد الله وزيد وغيرهم من قبل أنه «١» كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراء به وملازمة له وميلا إليه لا غير ذلك. وكذلك «٢» إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة بالأمصار، المراد بها «٣» أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة وآثره على غيره وداوم عليه ولزمه حتى اشتهر وعرف به وقصد فيه وأخذ عنه، فلذلك أضيف إليه دون غيره من القرّاء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد.
١١٠ - وأن القرآن لم ينزل بلغة قريش فقط دون سائر العرب، وإن كان معظمه نزل بلغة قريش «٤»، وأن رسول الله ﷺ سنّ جمع القرآن وكتابته وأمر بذلك «٥» وأملاه على كتبته، وأنه ﷺ لم يمت حتى حفظ جميع القرآن جماعة من أصحابه «٦»، وحفظ الباقون منه جميعه متفرّقا وعرفوه وعلموا مواقعه ومواضعه على وجه ما يعرف ذلك اليوم من ليس من الحفّاظ لجميع «٧» القرآن.
١١١ - وأنّ أبا بكر «٨» الصّدّيق وعمر الفاروق وزيد بن ثابت ﵃ وجماعة الأئمة أصابوا في جمع القرآن بين لوحين وتحصينه وإحرازه وصيانته، وجروا في كتابته على سنن الرسول ﷺ وسنّته، وإنهم لم يثبتوا منه شيئا غير معروف ولا ما لم تقم الحجة به ولا رجعوا في العلم بصحة شيء منه وثبوته إلى شهادة الواحد والاثنين، ومن جرى مجراهما، وإن كانوا قد أشهدوا «٩» على النسخة التي جمعوها على وجه الاحتياط من الغلط «١٠»
_________________
(١) سقطت (أنه) من م.
(٢) و(٣) سقط من م.
(٣) انظر صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب.
(٤) انظر صحيح البخاري، باب كاتب النبي ﷺ من فضائل القرآن.
(٥) انظر صحيح البخاري: باب القراء من أصحاب النبي ﷺ من فضائل القرآن، وانظر المرشد الوجيز لأبي شامة/ ٣٧ - ٤٢.
(٦) في ت، م: (بجميع) بالباء بدل اللام، ولعله تحريف.
(٧) انظر قصة جمع القرآن في عهد أبي بكر في صحيح البخاري: باب جمع القرآن من فضائل القرآن وانظر للتوسع المرشد الوجيز لأبي شامة/ ٤٨ وما بعدها.
(٨) انظر المرشد الوجيز لأبي شامة/ ٥٥.
(٩) في ت، م: (الغلط الغلط) وهو تكرار لا داعي له.
[ ١ / ١٣٠ ]
وطرق «١» الحكم (والإنقاد) «٢».
١١٢ - وأن أبا بكر ﵁ قصد في جمع القرآن «٣» إلى تثبيته بين اللوحين فقط ورسم جميعه، وأن عثمان رحمه الله تعالى أحسن وأصاب ووفّق لفضل عظيم في جمع الناس على مصحف واحد وقراءات محصورة والمنع من غير ذلك، وأن سائر الصحابة من عليّ ﵁ ومن غيره كانوا متبعين لرأي أبي بكر وعثمان في جمع القرآن «٤»، وأنهم أخبروا بصواب ذلك وشهدوا به، وأن عثمان لم يقصد قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمع الصحابة على القراءات الثابتة المعروفة عن الرسول ﷺ، وألقى ما لم يجر مجرى ذلك وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، وأنه لم يسقط شيئا من القراءات الثابتة عن الرسول ﷺ ولا منع منها ولا حظر القراءة بها؛ إذ ليس إليه ولا إلى غيره أن يمنع ما أباحه الله تعالى وأطلقه وحكم بصوابه، وحكم الرسول ﷺ للقارئ به أنه محسن مجمل في قراءته «٥»، وأن القرّاء السبعة ونظائرهم من الأئمة متّبعون في جميع قراءاتهم الثابتة عنهم التي لا شذوذ فيها، وأن ما عدا ذلك مقطوع على إبطاله وفساده وممنوع من إطلاقه والقراءة به، فهذه الجملة التي نعتقدها ونختارها في هذا الباب، والأخبار الدّالّة على صحّة جميعها كثيرة ولها موضع غير هذا وبالله التوفيق.
_________________
(١) الطرق: الضرب بالحصى، وهو ضرب من التكهن. اللسان ١٢/ ٨٤، فطرق الحكم، توهمه.
(٢) كذا في ت، م.
(٣) في ت، م: (وإلى). والواو مقحمة خطأ.
(٤) انظر المرشد الوجيز لأبي شامة/ ٥٣ - ٥٤.
(٥) هذا مبني على أن المصاحف حوت جميع الأحرف السبعة، وهي قضية خلافية كما تقدم.
[ ١ / ١٣١ ]