من يقرأ تاريخ العلماء يجد أن كثيرا منهم استفاد ممن سبقهم، وأفاد من جاء بعدهم، وهذا أمر مشاهد ومعروف، ومما لا شك فيه أن لشخصية المؤلف ومكانته العلمية دورا كبيرا في إفادة من جاء بعده.
والإمام السخاوي شخصية علمية كبيرة اشتهر في البيئة التي نشأ فيها، وفي المجتمع الذي مكث يقرئ فيه نيفا وأربعين عاما، إذ كان الناس في إقبال شديد على تعلم أنواع العلوم، وبخاصة علوم القرآن الكريم، ثم إن كثيرا منهم ترك هذا الفن لصعوبة مسلكه وتشعب معلوماته، فظلت شخصية السخاوي محدودة لدى المتخصصين في علم القراءات، بل إن كثيرا من طلاب العلم عند ما يذكر له السخاوي، لا ينصرف ذهنه إلّا إلى شمس الدين محمد بن عبد الرحمن المحدث المؤرخ المتوفى سنة ٩٠٢ هـ، وبناء على هذا ظلت مؤلفات إمامنا السخاوي مغمورة محبوسة في المكتبات تنتظر من ينفض الغبار عنها ويخرجها إلى طلاب العلم والمعرفة، وقد وجدت بعض العلماء كأبي شامة وابن الجزري والسيوطي وغيرهم من السابقين نقل عن (جمال القراء ..) بعض الفوائد، كما وجدت أيضا بعض العلماء المعاصرين من أفاد من هذا الكتاب، مثل شيخنا عبد الفتاح القاضي- رحمه الله تعالى-. وأستاذنا الدكتور محمد سالم محيسن- حفظه الله تعالى-.
ولا شك أن هذا النقل والإفادة من كتب السابقين يعتبر دليلا واضحا على أهميتها.
وتتميما للفائدة سأشير إلى بعض العلماء الذين استفادوا من كتاب (جمال القراء ..):
[١] أفاد الشيخ أبو شامة من كتاب «جمال القراء ..» في أماكن متعددة من كتابه (المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز)، فقد أفاد منه عند كلامه على كيفية نزول القرآن، وتلاوته، وذكر حفاظه في ذلك الزمان. قال: قال الشيخ أبو الحسن في كتابه (جمال القراء ..) في ذلك:- أي في إنزاله إلى سماء الدنيا- تكريم بني آدم «٢» الخ.
_________________
(١) راجع مباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح ص ١٢٥، والشيخ مناع القطان ص ١٤.
(٢) المرشد الوجيز ص ٢٧.
[ ١ / ١٦ ]
وكان أحيانا يتكلم على القضية، ثم يقول: وقد تكلم على ذلك شيخنا أبو الحسن﵀- ببعض ما ذكرناه «١».
* وعند كلامه عن كتابة القرآن وجمعه، كان من كلامه: أن أبا بكر﵁- قال لعمر بن الخطاب وزيد بن ثابت: «أقعدوا على باب المسجد، فمن جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله تعالى فاكتباه» اهـ.
ثم قال أبو شامة: قال الشيخ أبو الحسن في كتابه (جمال القراء ..): ومعنى هذا الحديث- والله أعلم- «من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله ﷺ، وإلّا فقد كان زيد جامعا للقرآن «٢» ..» اهـ.
[٢] كما نوه المحقق ابن الجزري بهذا الكتاب وأثنى عليه ونقل منه في كتابه النشر، وقد روا هـ بإسناده إلى المؤلف ضمن الكتب التي ذكر كيفية روايته لها «٣».
[٣] واقتبس منه أحمد بن محمد القسطلاني عند كلامه عن حكم القراءة الشاذة، قال: وقد أجمع الأصوليون والفقهاء وغيرهم على أن الشاذ ليس بقرآن صرح بذلك الغزالي وابن الحاجب .. والسخاوي في (جمال القراء ..) «٤».
[٤] واقتبس منه البدر العيني عند شرحه لحديث بدء الوحي، قال: وقال السخاوي:
ذهبت عائشة﵂- والأكثرون إلى أن أول ما نزل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إلى قوله: ما لَمْ يَعْلَمْ «٥» «٦» .. الخ.
[٥] والإمام السيوطي يعتبر من المكثرين من النقل عن السخاوي المتأثرين به تأثرا واضحا في كتابه (الإتقان في علوم القرآن)، حيث نقل عنه في أماكن كثيرة، وعزا ذلك إلى (جمال القراء ..):-
* فهو يعد (جمال القراء) من الكتب التي اعتمد عليها «٧».
_________________
(١) المصدر السابق ص ٢٦.
(٢) المصدر السابق ص ٥٥، وراجع ص ١٧٢١٢٣، ٢٠٨، ٢٠٨.
(٣) انظر النشر ١/ ١٨، ٩٧، ٢٦٦.
(٤) لطائف الاشارات ص ٧٢، ٧٣.
(٥) سورة العلق (١ - ٥).
(٦) عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ١/ ٦٢.
(٧) الاتقان ١/ ١٨.
[ ١ / ١٧ ]
* وأفاد منه عند كلامه عن الآيات المستثناة من المكي والمدني.
* وعند كلامه عن الحضري والسفري، وعن النهاري والليلي.
* وعند كلامه عن (ما تكرر نزوله)، وعند كلامه عن كيفية إنزال القرآن الكريم.
* وكذلك عند حديثه عن أسماء السور، وعن تقسيمات القرآن بحسب سوره.
* وعند جمعه وترتيبه، وعدد سوره وآياته وكلماته وحروفه «١» .. الخ.
وأفاد منه كل من:
[٦] الشيخ أحمد بن محمد الدمياطي «٢».
[٧] والشيخ محمود بن عبد الله الآلوسي «٣».
[٨] وشيخنا عبد الفتاح القاضي﵀ «٤» -.
[٩] وأستاذنا الدكتور محمد سالم محيسن «٥».
_________________
(١) انظر الاتقان ١/ ٥٥، ٦٠، ٦١، ١٠٣، ١١٩، ١٥٦، ١٦٣، ١٦٧، ١٨٦، ١٩٧.
(٢) اتحاف فضلاء البشر ص ١٩.
(٣) روح المعاني ١٠/ ٤١.
(٤) تاريخ المصحف الشريف ص ٤٦، ومن علوم القرآن ص ٤٤.
(٥) في رحاب القرآن ١/ ٢٤٩، ٢٦١، والقراءات وأثرها في علوم العربية ١/ ٢٧.
[ ١ / ١٨ ]