إن الناظر في كتاب (جمال القراء ..) وبخاصة كلام السخاوي فيه على الناسخ والمنسوخ، يتضح له جليا شخصيته الواضحة، حيث إنه- رغم اعتماده على مصادر عدة- لم يكن مجرد ناقل فحسب، بل إنه سلك مسلك النقد لكثير من الآراء التي نقلها عن العلماء، والدليل على ذلك ما يأتي:
* فعند كلامه عن إنصاف الأحزاب قال: نصف التاسع والخمسين في المطففين:
إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: ٢] هكذا ذكروا، وهو غلط، بل النصف وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ «٤» وقيل آخرها.
* وقال: الموضع الحادي والعشرون: قوله ﷿: فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا «٥» [النساء: ٧١] قالوا: هو منسوخ بقوله ﷿ وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: ١٢٢] قال: وما أحسب هؤلاء فهموا كلام الله ﷿ اهـ.
ثم أخذ يعلّل لذلك ويرد على قولهم.
* وفي الموضع الثلاثين من سورة النساء عند قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ
_________________
(١) انظر: كتاب المعين في طبقات المحدثين (ص ٢٠٢).
(٢) انظر المصدر المذكور (ص ٢٣١).
(٣) انظر حسن المحاضرة (١/ ٤١٢).
(٤) التكوير (٤) انظر (ص ٤٣٤).
(٥) النساء (٧١) انظر (ص ٤٣٠).
[ ١ / ٤٤ ]
الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٥] قال: زعموا أنه منسوخ بقوله ﷿: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا .. «١» قال: متعجّبا من قولهم- فما أدري أي الأمرين أعجب، إدخال النسخ في الأخبار، أو جعل الاستثناء نسخا؟!.
* وعند قوله سبحانه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلى قوله: كُلَّ مَرْصَدٍ «٢»، حكى قول القائلين بأن هذه الآية نسخت مائة وأربعا وعشرين آية، ثم نسخت بقوله ﷿ في آخرها: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ لم يرتض هذا القول، بل ردّه بقوله: ولا يقول مثل هذا ذو علم، إنما هو خبط جاهل في كتاب الله اهـ.
* وعند قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «٣»، يقول السخاوي: قال بعضهم: هذه الآية نصفها محكم، ونصفها منسوخ، قال: وهذا كأنه نوع من اللعب اهـ.
* ومن هذا القبيل قوله: إن سورة مريم ليس فيها من المنسوخ شيء، قال: وقال قوم: إن قوله ﷿: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ «٤»، نسخ بآية السيف، قال: وهذا من أعجب الجهل، أترى أنه لما نزلت آية السيف بطل إنذاره وتذكيره بيوم القيامة؟!.
* وكذلك عند قوله سبحانه: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ «٥» قال: قال ابن حبيب: هو منسوخ بقوله ﷿: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «٦» ثم قال: وليس هذا بمنسوخ كما ذكر .. وكيف يظن من له تحصيل أن قوله ﷿: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ تفويض؟
وهذا قول مظلم كيف ما تدبرته ازداد ظلمة، ومما فيه أنه كان لنا أن نعمل ما شئنا من غير مشيئة الله تعالى ثم نسخ بأنّا لا نشاء شيئا إلّا أن يشاء الله، وهذا ضرب من الهذيان اهـ.
* وكذلك فعل عند قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا «٧» حيث نقل القول بنسخها بقوله تعالى بعدها وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نقله عن ابن سلامة، ثم
_________________
(١) النساء (١٤٦) انظر (ص ٦٨٠).
(٢) التوبة (٥) وانظر (ص ٧٢١).
(٣) الحجر (٩٤) وانظر (ص ٧٤٠).
(٤) مريم (٣٩) وانظر (ص ٧٥٦).
(٥) فصلت (٤٠) وانظر (ص ٨١٣).
(٦) الانسان (٣٠) وانظر (ص ٨٩٣).
(٧) الانسان (٢٩) انظر (ص ٨٩٣).
[ ١ / ٤٥ ]
قال: وهذا ضرب من الجهل عظيم، فإنه ﷿ لم يطلق المشيئة للعبيد، ثم حجزها عنهم ونسخها، وإنما أعلم أن العبد إذا شاء أمرا من صلاح أو ضلال، فلا يكون ذلك إلّا أن يشاء الله، وهذا وعيد وتهديد الخ.
* وعند قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ «١» نجده ينقل عن الضحاك قوله بأنها منسوخة بالأمر بالإقبال عليهم وتبليغهم الرسالة ووعظهم اهـ. ولم يسلم بهذا القول، بل فنّده ودحضه بقوله: ويلزم من هذا أنه أمر في هذه الآية بترك التبليغ للرسالة، ثم أرسل بعد ذلك، فنسخ ما كان أمر به من ترك الرسالة والإنذار، وهذا لم يكن قط
إلخ ثم ذكر وجهة نظره وما يراه صحيحا في معنى الآية.
* وعند قوله تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ «٢»
الآية. نجد السخاوي ينقل قول هبة الله بن سلامة بأنها منسوخة بما بعدها، وهو قوله تعالى: إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ، ثم يعقب على هذا بقوله: وهذا كلام ساقط وأخذ يعلل لذلك ..
* وكان أحيانا ينقل بعض التفسيرات لبعض الأحاديث، ثم يقول: وكل هذه الأقوال غير مستقيمة، ثم يأخذ في التعليل لاعتراضه، مبيّنا وجهة نظره فيقول:
أما قول أبي عبيد ، فتأويل لا دليل عليه.
وأما قول الأصمعي ، فذلك خلاف ما جاء في الأخبار الصحاح.
وأما قول من قال كذا ، فذلك أيضا غير صحيح.
وأما قول من قال كذا ، فكلام لا معنى تحته «٣».
وهكذا كان﵀- يجول بفكره، ويرد على بعض الأقوال بأسلوب مهذب مقنع.
وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على كثرة علمه وقوة شخصيته ورجاحة عقله.