الحمد لله العزيز الوهاب، أنزل على عبده الكتاب، هدى وذكرى لأولى الألباب، والصلاة والسلام على سيد الأحباب، نبينا محمدﷺ- النبي الأمي المبعوث بالحق والصواب، الشافع المشفع يوم الحساب، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآب.
أما بعد: فإن علوم القرآن الكريم أرفع العلوم قدرا، وأشرفها ذكرا، والاشتغال بها من أجلّ الأعمال وأفضل القربات، لأنها تتعلق بخدمة كتاب الله تعالى، وقد كان القرآن الكريم موضع عناية من النبي ﷺ وصحابته الكرام، ومن تبعهم من العلماء الأجلاء الذين عكفوا عليه يدرسونه ويستخرجون كنوزه، فأولوه عناية فائقة، فاعتنوا بتفسيره وبيان أساليبه وبلاغته، إلى غير ذلك، وتناولوا كثيرا من نواحيه بالبحث والتوضيح، وتنافسوا في هذا الميدان الفسيح، وأفنوا أعمارهم في تصنيف الكتب التي تخدم هذا القرآن العظيم، وهم بهذا يكونون قد أدوا واجبهم نحوه، كل بحسب ما أوتى من العلم، فخلفوا لنا تراثا علميا تزخر به المكتبات في أنحاء المعمورة، وكلها تدل على العناية بهذا الدستور الإلهي الرباني الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «١».
ومعظم هذا التراث لا زال مخطوطا ينتظر من ينفض عنه الغبار، ويخرجه إخراجا سليما، بحيث يكون في متناول طلاب العلم والمعرفة، وبخاصة طلاب الدراسات العليا.
ومن أجلّ هذه المخطوطات ما يسمى في اصطلاح المتأخرين ب «علوم القرآن»، واني أحمد الله ﷾ الذي وفقني لتحقيق كتاب من خيرة الكتب التي صنفت في علوم
_________________
(١) سورة فصلت (٤٢).
[ ١ / ٧ ]
القرآن، ألا وهو «جمال القراء وكمال الإقراء» لموضوع بحثي، وهو لعلم الدين السخاوي المتوفي سنة ٦٤٣ هـ، وقد كنت أحد خريجي كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، وكنت شغوفا في حبي لكتاب الله تعالى ومعرفة علومه، ومنّ الله عليّ بالالتحاق بشعبة التفسير وعلوم القرآن من قسم الدراسات العليا، وكان عملي في مرحلة الماجستير في موضوع «عبد الرحمن الثعالبي ومنهجه في التفسير» فأردت أن أجمع بين الحسنيين، الموضوع والتحقيق، فاخترت هذا الكتاب وهو كتاب مهم ومفيد، إذ تناول فيه مؤلفه أنواعا من العلوم المتصلة بالقرآن الكريم، كمعرفة المكي والمدني، والكلام على إعجاز القرآن وفضائله، وكيفية تأليفه، وتجزئته وعدد آياته وسوره، وذكر الشواذ، وناسخ القرآن ومنسوخه، وغير ذلك، وهي موضوعات مهمة، كلها تتعلق بالقرآن الكريم.
فألفيته جديرا بالاهتمام والتحقيق، وبخاصة أن مؤلفه علم الدين السخاوي الذي أجمع المؤرخون له على جلالة قدره، فشد هذا من أزري وشجعني على اختيار هذا الموضوع، ولا شك أن العمل في مجال تحقيق التراث، مجال فيه مشقة وتعب، وفي الوقت نفسه فيه لذة وسعادة، وإن بعض من لم يمارس عمل التحقيق ويكابد مشقته، يظن أنه عمل سهل وميسور، ويظن أنه مجرد إزالة الغبار عن كتاب مغمور ونسخه وإخراجه، والواقع أن تحقيق كتب التراث يحتاج إلى وقت وجهد كبير، ويتمثل ذلك في التعليق على بعض المسائل المهمة، وإيضاح القضايا العلمية التي تحتاج إلى إيضاح، وعزو الآيات القرآنية وتخريج الأحاديث النبوية، وترجمة الأعلام .. إلى غير ذلك، مما يخدم النص، ويخرجه إلى طلاب العلم والمعرفة بثوب يليق به، وهذا ما حاولت أن أسلكه في تحقيق هذا الكتاب، وقد كانت مهمتي شاقة، إذ أن الكتاب يشتمل على عدة علوم، كل علم يكاد يكون علما مستقلا بذاته ويحتاج إلى متخصص، وحسبي أني اجتهدت وبذلت طاقتي فإن أصبت فالحمد لله الذي وفقني للصواب، وإن أخطأت، فكل بني آدم خطاء، والله الموفق والهادي إلى سواء الصراط، وهو حسبي ونعم الوكيل.
[ ١ / ٨ ]