عاصر الإمام السخاوي الكثيرين من علماء عصره، وتقدم عليهم في كثير من الميادين العلمية، واعترف له المؤرخون المعاصرون له واللاحقون بالصلاح والتقوى، ووصفوه بأنه كان مقرئا، مجودا، متكلما، مفسرا، محدثا، فقيها، أصوليا، أديبا، لغويا، نحويا، شاعرا
وفيما يلي نماذج من ثناء العلماء عليه:
أولا: ثناء المعاصرين له:
[١]- فهذا ياقوت الحموي يترجم له في معجم الأدباء، ثم يقول: وكتبت هذه الترجمة سنة تسع عشرة وستمائة (٦١٩ هـ) وهو بدمشق كهل يحيا «٣»
وقال أيضا في كتابه معجم البلدان: .. وبدمشق رجل من أهل القرآن والأدب، وله فيهما تصانيف، اسمه علي بن محمد السخاوي، حي في أيامنا، وهو أديب فاضل ديّن، يرحل إليه للقراءة عليه اهـ «٤».
_________________
(١) كشف الظنون (٢/ ١٣٠١).
(٢) معرفة القراء (٢/ ٧٠٨).
(٣) معجم الأدباء (١٥/ ٦٦).
(٤) معجم البلدان (٣/ ١٩٦).
[ ١ / ٤١ ]
[٢]- وقال ابن خلكان: ثم انتقل السخاوي إلى مدينة دمشق، وتقدّم بها على علماء فنونه واشتهر، وكان للناس فيه اعتقاد عظيم .. ورأيته بدمشق، والناس يزدحمون عليه في الجامع، لأجل القراءة، ولا تصح لواحد منهم نوبة إلّا بعد زمان، ورأيته مرارا يركب بهيمة، وهو يصعد إلى جبل الصالحية، وحوله اثنان «١» وثلاثة، وكل واحد يقرأ ميعاده في موضع غير الآخر، والكل في دفعة واحدة، وهو يرد على الجميع، ولم يزل مواظبا على وظيفته إلى أن توفي اه «٢».
[٣]- وقال القفطي: واستوطن دمشق، وتصدّر بجامعها للإقراء والإفادة، فاستفاد الناس منه، وأخذوا عنه، وصنّف في علم القراءات، وشرح قصيدة شيخه في القراءات شرحا وافيا كافيا، ونقل عنه، وشرح المفصل للزمخشري شرحا حسنا، وطيء الألفاظ، أراد به وجه الله تعالى، فالنفوس تقبله، وهو مقيم على حالته في الإفادة بدمشق في زماننا هذا، وهي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة (٦٣٢ هـ) «٣».
[٤]- كما وصفه تلميذه أبو شامة بقوله: «.. علامة زمانه وشيخ عصره وأوانه » اه «٤».
ثانيا: ثناء العلماء اللاحقين به:
وهم كثيرون، أذكر كلام بعضهم على سبيل المثال، وفيه ما يكفي لأن معظم كلام غير هؤلاء إنما يعد تكرارا لما كتبه الأولون.
[١]- ترجم له الذهبي فقال: كان السخاوي إماما علامة مقرئا محققا، ونحويا علامة، مع بصره بمذهب الشافعي﵁- ومعرفته بالأصول، واتقانه للغة، وبراعته في التفسير، وأحكامه لضروب الأدب، وفصاحته في الشعر، وطول باعه في النثر، مع الدين والمروءة، والتواضع واطّراح التكلّف، وحسن الأخلاق، ووفور الحرمة، وظهور الجلالة، وكثرة التصنيف .. إلى أن قال: وقد كان الشيخ علم الدين من أفراد العالم، ومن أذكياء بني آدم، حلو النادرة، مليح المحاورة اهـ «٥».
[٢]- وقال السبكي: كان فقيها يفتي الناس، وإماما في النحو والقراءات
_________________
(١) هكذا ولعل الصواب: أو ثلاثة.
(٢) وفيات الأعيان (٣/ ٣٤٠).
(٣) انباه الرواة (٢/ ٣١١).
(٤) الذيل على الروضتين (ص ١٧٧) وسيأتي- ان شاء الله- بقية كلامه عند ذكر وفاة السخاوي.
(٥) معرفة القراء الكبار (٢/ ٦٣٢).
[ ١ / ٤٢ ]
والتفسير، قصده الخلق من البلاد لأخذ القراءات عنه، وله المصنفات الكثيرة، والشعر الكثير، وكان من أذكياء بني آدم اه «١».
[٣]- وقال ابن كثير: شيخ القراء بدمشق، ختم عليه ألوف من الناس، وكان قد قرأ على الشاطبي المتوفى سنة ٥٩٠ هـ وشرح قصيدته وله شرح المفصل، وله تفاسير وتصانيف كثيرة، ومدائح في رسول الله ﵌، وكانت له حلقة بجامع دمشق، وولي مشيخة الإقراء بتربة أم الصالح وبها كان مسكنه اه «٢».
[٤]- ووصفه ابن الجزري بقوله: كان إماما علامة محققا مقرئا مجودا، بصيرا بالقراءات وعللها، إماما في النحو واللغة والتفسير والأدب أتقن هذه العلوم اتقانا بليغا، وليس في عصره من يلحقه فيها، وكان عالما بكثير من العلوم غير ذلك، مفتيا أصوليا مناظرا، وكان- مع ذلك- ديّنا خيرا متواضعا، مطرح التكلّف، حلو المحاضرة، حسن النادرة، حاد القريحة، من أذكياء بني آدم، وافر الحرمة، كبير القدر، محببا إلى الناس، ليس له شغل إلّا العلم والإفادة، أقرأ الناس نيفا وأربعين سنة بجامع دمشق .. ثم بتربة الصالح، ولأجله بنيت، وبسببه جعل شرطها على الشيخ أن يكون أعلم أهل البلد بالقراءات اه «٣».
[٥]- ونعته السيوطي بقوله: طويل الباع في الادب، مع التواضع في الدين، والمودة وحسن الخلق، من أفراد العالم، وأذكياء بني آدم مليح المحاورة، حلو النادرة، حاد القريحة، مطرح التكلّف اهـ «٤».
ومن ينعم النظر فيما قاله هؤلاء العلماء في حق الإمام السخاوي يظهر له جليا:
- أنه لم يكن مقرئا مجودا فحسب، بل كان إلى جانب ذلك مفسّرا، كما ذكر مترجموه أن له تفسيرا وصل فيه إلى سورة الكهف «٥».
وقد ذكره كل من السيوطي والداودي ضمن علماء التفسير في طبقاتهما.
- وإلى جانب كونه مقرئا مجودا مفسرا، كذلك كان محدثا فقد روى الحديث عن
_________________
(١) طبقات الشافعية (٨/ ٢٩٧).
(٢) البداية والنهاية (١٣/ ١٨١).
(٣) غاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٥٦٩).
(٤) بغية الوعاة (ص ٣٤٩).
(٥) وسيأتي- ان شاء الله- عند الكلام عن مؤلفاته.
[ ١ / ٤٣ ]
مجموعة من شيوخه، وكذلك روى عنه بعض تلامذته، إضافة إلى ذلك فقد جعله الإمام الذهبي من العلماء المحدثين «١».
- كما كان﵀- لغويا نحويا بارعا، ومما يدل على ذلك أن القفطي ترجم له في كتابه «أنباه الرواة على أنباه النحاة» والسيوطي في «بغية الوعاة في أخبار النحاة»، كما ترجم له عبد الباقي اليمني في كتابه «إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين» «٢».
- كما كان السخاوي فقيها على مذهب الإمام الشافعي، نصّ على ذلك الذين ترجموا له، ومنهم الأسنوي والسبكي في طبقات الشافعية، وقد جعله السيوطي ضمن فقهاء الشافعية الذين كانوا بمصر «٣».
والخلاصة أن الإمام السخاوي كان علما لا يباريه أحد في علمه ﵀.