أبو عبيد عن عثمان ﵁، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا نزلت عليه سورة قال: "ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا.
وِرِوى أيضًا عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن
عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين.
فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا يينهما سطر (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
ووضعتموها في السبْع الطوَل؟
فقال عثمان، رحمة الله عليه: إن رسول الله - ﷺ - كان مما يأتي عليه الزمان، وهو ينزل عليه من السور ذوات
العدد، وكان إذا نزلت عليه سورة يدعو بعض من يكتب، فيقول: ضعوا
هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا، وكانت براءة من آخر
القرآن نزولًا، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدنية، وكانت قصتها شبيهة
بقصتها، وظننتها منها، وقبض رسول الله - ﷺ -، ولم يتبين لنا أمرها، قال: فلذلك قرنت بينهما.
ولم أجعل بينهما سطر (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
ووضعتها في السبْع الطوَل.
[ ١٥٩ ]
ومعنى قوله: (وكانت قصتها شبيهة بقصتها) أن فيهما جميعًا ذكر
القتال.
وروى أبو عبيد، عن السدي، عن عبد خير قال: أَول من جمع
القرآن بين اللوحين أبو بكر ﵁.
وعن على ﵇: رحم الله أبا بكر كان أَول من جمع القرآن.
وحدثني أبو المظفر عبدا الخالق الجوهري ﵀ بالسند الذي
قدمته إلى عبد الله، حدثنا عمر بن شبة، حدثنا أبو أحمد الزبيْري، نا
سفيان عن السُّدي، عن عبد خير، عن علي، ﵁، قال: أعظم
الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، وإنه أول من جمع بين اللوحين.
[ ١٦٠ ]
قال عبد الله: وحدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة عن هشام عن أبيه أن
أبا بكر هو الذي جمع القرآن بعد النبي - ﷺ - يقول: ختمه.
وقال عبد الله: حدثنا أبو الطاهر، أنبأنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي
الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما استحر القتل بالقُراء يومئذٍ
فَرِقَ أبي بكر على القرآن أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب، ولزيد بن
ثابت: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكم بشاهدين على شيء من
كتاب الله فاكتباه.
ومعنى هذا الحديث، والله أعلم: من جاءكم بشاهدين على شيء
من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله - ﷺ -.
وإلا فقد كان زيد جامعًا للقرآن، ويجوز أن يكون معناه: من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله أي من الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن، ولم يزد على شَيء مما لم يقرأ أصلًا، ولم يعلم بوجه آخر.
وقال عبد الله: حدثنا عمرو بن على بن بحر، نا أبو داود، نا إبراهيم
ابن سعيد، نا الزهري، أخبرني عبيد بن السَّبَّاق أن زيد بن ثابت حدثه قال: أرسل إليَّ أبو بكر مَقْتَلَ أهلِ اليمامة، وكان عنده عمر، فقال: إن هذا
[ ١٦١ ]
أتاني، فقال: إن القتل قد استحرَّ بالقُراء، وإني أخشى أن يستحر القتل
بالقُراء في سائر المواطن، فيذهب القرآن، وقد رأيت أن تجمعوه.
فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله - ﷺ -؟ فقال عمر: هو - والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدره، ورأيت فيه الذي رآه، فقال أبو بكر: إنك شابٌّ، أو رجلٌ عاقل، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - ﷺ - لا نتهمك، فاكتبه.
قال: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل على منه، فقلت لهما كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله - ﷺ -؟
قال أبو بكر وعمر: هو - والله - خير.
فلم يزل أبو بكر وعمر يراجعاني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي
ْشرح له صدرهما، ورأيت فيه الذي رأياه، فتتبعت القرآن أنسخه من
المصحف، والعُسُب، واللخاف، وصدور الرجال حتى فقدت آية كنت
أسمع رسول الله - ﷺ - يقرأ بها (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) فالتمستها، فوجدتها عند خزيمة بن ثابت، فأثبتها في
سورتها.
واللخاف: الحجارة الرِّقاق.
قال عبد الله - حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، قال: نا محمد، قال: نا أبو جعفر عن ربيع عن أبي العالية أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر.
[ ١٦٢ ]
فكان رجال يكتبون، ويملي عليهم أبي بن كعب، فلما انتهوا إلى
هذه الآية من سورة براءة (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ)، فظنوا أنها آخر ما أنزل من القرآن، فقال أبى:
إن رسول الله - ﷺ - أقرأني بعدهن آيتين:
(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) .
فهذا آخر ما نزل من القرآن فختم الأمر بما فتح به.
يقول الله جل ثناؤه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) .
وأقول: إن أبَيًّا، ﵀، إنما كان يتتبع ما كتب بين يدي رسول الله - ﷺ - في اللخاف، والأكتاف، والعُسُب، ونحو ذلك؛
لا لأن القرآن العزيز كان معدومًا.
وأما قوله: (وصدور الرجال) فإنه كتب الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن.
فكان يتتبعها من صدور الرجال ليحيط بها علمًا؛ ودليل ذلك أنه كان عالمًا
بالآيتين اللتين في آخر براءة، ثم لم يقنع بذلك حتى طلبهما، وسأل
عنهما.. غيره فوجدهما عند خزيمة وإنماطلبهما من غيره مع علمه
بهما ليقف على وجوه القراءة، والله أعلم.
قال عبد الله: حدثنا أبو الطاهر، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني
مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، وخارجة، أن أبا بكر الصديق كان قد
[ ١٦٣ ]
جمع القرآن في قراطيس، وكان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك، فأبى
حتى استتعان عليه بعمر، ففعل، فكانت تلك الكتب عند أبي بكر حتى
توفي، ثم عند عمر حتى توفي ثم عند حَفصة زوج النبي - ﷺ -، فأرسل إليها عثمان، فأبت أن تدفعها إليه حتى عاهدها ليردنها إليها، فبعثت بها إليه، فنسخها عثمان (هذه المصاحف) ثم ردها إليها، فلم تزل عندها حتى أرسل مروان، فأخذها، فحرقها.
وفي الرواية عن أنس بن مالك فلما كان مروان أمير المدينة أرسل
إلى حفصة يسألها عن الصحف ليحرقها، وخشي أن يخالف بعض الكتاب
بعضًا، فمنعته إياها.
قال ابن شهاب: فحدثني سالم بن عبد الله، قال
"فلما توفيت حفصة أرسل إلى عبد الله بن عمر بعزيمة ليرسلن بها.
فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها عبد الله بن عمر إلى مروان، فغسلها، وحرقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك اختلاف لما نسخ عثمان رحمة الله عليه.
قال عبد الله: حدَثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، قال: نا
يحيى، يعني، ابن يعلى بن الحارث، قال: نا أبي وعبد الله، قال: نا
غيلان عن أبي إسحاق عن مصعب بن مسَعْد قال: سمع عثمان قراءة أيى
وعبد الله ومعاذ، فخطب الناس، ثم قال: إنما قبض نبيكم منذ خمس
عشرة سنة، وقد اختلفتم في القرآن، عزمت على من عنده شيء من القرآن
سمعه من رسول الله - ﷺ - لما أتاني به، فجعل الرجل يأتيه باللوح،
[ ١٦٤ ]
والكتف، والعسيب فيه الكتاب، فمن أتاه بشيء قال: أنت سمعته من
رسول الله - ﷺ -؟
ثم قال: أي الناس أفصح؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال
فأي الناس أكتب؟ قالوا: زيد بن ثابت، قال: فليكتب زيد وَلْيُمِل سعيد.
قال: فكتب مصاحف فقسَّمها في الأمصار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك
عليه.
ومن الأسباب الباعثة لعثمان، ﵁، على ما فعل في
المصاحف ما رآه حذيفة من الاختلاف.
قال عبد الله: نا محمد بن عوف، قال: نا أبو اليمان، قال: أنا
شعيب عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك الأنصاري أن حذيفة قدم على
عثمان بن عفان في ولايته، وكان يغزو مع أهل العراق قِبَل أرمينية، ثم
اجتمع أهل العراق، وأهل الشام يتنازعون القرآن حتى سمع حذيفة من
اختلافهم فيه ما ذعره، فركب حذيفة حتى قدم على عثمان، فقال: يا
أمير المؤمنين: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود.
والنصارى في الكتب، ففزع لذلك عثمان.
فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إليَّ بالصحف التي جمع فيها القرآن فأرسلت بها إليه حفصة، فأمر عثمان زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن هشام أن ينسخوها في المصاحف.
قال عبد الله: حدثنا محمد بن بشار - نا عبد الأعلى، نا هشام عن
[ ١٦٥ ]
محمد، قال: كان الرجل يقرأ حتى يقول الرجل لصاحبه: كفرت بما
تقول، فرفع ذلك إلى عثمان بن عفان، فتعاظم ذلك في نفسه، فجمع اثني
عشر رجلا من قريش والأنصار، فيهم أبى بن كعب وزيد بن ثابت، فأرسل
الى الربعة التي كانت في بيت عمر فيها القرآن.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: خصلتان لعثمان بن عفان ليستا
لأبي بكر، ولا لعمر؛ صبره نفسه حتى قتل مظلومًا، وجمعه الناس على
المصحف.
[ ١٦٦ ]