روي أن أصحاب النبي - ﷺ - قالوا: يا رسول الله لو قصصتَ علينا، فأنزل الله ﷿ هذه السورة.
وقال: أحسن القصص؛ لأنها على أعجب طريقة، وأغرب هيئة، وقد جاءت هذه القصة في الكتب، فلم تكن
على نحو ما جاءت هذه السورة في الجزالة، والإيجاز، والحلاوة وحسن
السياق، وكيف يشْبِه كلام رب العالمين كلام غيره.
وروى الترمذي بإسناده عن عائشة، ﵂، قالت: كان
النبي - ﷺ - لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل، والزُّمر. وقال النسائى: أخبرنا عمرو بن على، نا محمد بن جعفر، نا سعيد عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن معدان، عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ -: "من قرأ عشر
[ ١٢٨ ]
آيات من الكهف عصم من فتنة الدجال".
وفي رواية أبي عبيد، عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ -: "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف ".
وروي بإسناد آخر عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله الدجال فقال: "من رآه منكم فليقرأ فواتح سورة الكهف".
وروى أبو عبيد بإسناده عن أبي سعيد الخدري: من قرأ سورة
الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق.
قلت: يجوز في هذا الحديث أن تكون الهاء عائدة على الكهف في قوله:
"ما بينه".
[ ١٢٩ ]
وروى أبو عبيد، عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ -:
"من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، ثم أدركه الدجال لم يضره، ومن حفظ خواتم سورة الكهف كانت له نورًا يوم القيامة".
وقال زِر بن حُبَيْش: من قرأ آخر سورة الكهف لساعة يريد أن يقومها
من الليل قامها.
قال عبدة بن أبي لبابة: فجربناه، فوجدناه كذلك.
وقال ابن كثير: وجربناه أيضًا غير مرة، فأقوم في الساعة التي أريد.
قال: وأبتدئ من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) . . إلى آخرها.
وقال عبد الله بن. مسعود: إن بني إسرائيل، والكهف، ومريم من
تلادي، وهو منْ العِتَاق الأوَلِ.
قال أبو عبيد: قوله: من تلادي يعني من قديم ما أخذت من القرآن قال: وذلك أن هذه السور نزلت بمكة.
[ ١٣٠ ]
وقال شَهْر بن حَوْشَب: يُرْفَع القرآن عن أهل الجنة إلا طه ويس.
وعن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال:
"من قرأ طه ويس كل شهر مرة أضمن له الجنة، وطوبى لمن بات، وهاتان السورتان في جوفه ".
وعن عمر، ﵁، أنه سجد في الحج سَجْدتينِ، وقال: إن
هذه السورة فُضَلتْ على السُّور بسجدتينِ.
وعن نُبَيْه بن صَواب: صليت مع عمر بن الخطاب، ﵁.
بالجابية الصبحِ، فقرأ سورة الحج، فسجد فيها سجدتين، ثم قال: إن
هذه السورة فُضلَتْ بسجدتينِ ".
وعن ابن عباس، ﵁، أن هذه السورة فُضلَتْ بسجدتين.
وعن رسول الله - ﷺ -:
"فضلت سورة الحبج على غيرها بسجدتين ".
وعن عقبة بن عامر قال، قلت: يا رسول الله أفي الحج سجدتان؟
قال: نعم، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما.
[ ١٣١ ]
وقال ابن عباس: قد كان قوم يركعون ويسجدون في الآخِرة كما
أمروا.
وقال ابن عمر: لو كنت تاركًا إحداهما لتركت الأولى.
وعن أبي عطية، كتب إلينا عمر بن الخطاب، ﵁.
عَلموا نساءكم سورة النور.
وعن عائشة، ﵂، أنها ذكرت نساء الأنصار، فأثنت
عليهن خيرًا، وقالت لهن معروفًا، وقالت: لما نزلت سورة النور عَمَدْنَ إلى
حُجوْز مناطقهِن فشققنها، فجعلن منها خُمرًا.
وعن أبي وائل: استعمل عليٌّ، ﵁، عبد الله بن عباس - ﵄ - على الموسم، فخطب خطبة لو سمعتها الديلم لأسلمت، ثم قرأ عليهم سورة النور.
وروى الأعمش، عن أبي وائل: قرأ ابن عباس سورة النور
وجعل يفسرها، فقال رجل: لو سمعت الديْلم هذا لأسلمت.
[ ١٣٢ ]
أبو عبيد: حدثنا يزيد عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي
النجود، عن المُسَيب بن رافع قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تجيء حَم، تنزيل السجدة يوم القيامة، لها جناحان، تظل صاحبها، تقول: لا سبيل عليك ".
وعن ابن عمرو: "المَ، تنزيل السجدة، وتبارك الذي بيده الملك
فيهما فضل ستين درجة على غيرهما من سورالقرآن ".
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم تنزيل.. السجدة و(هل أتى على الإنسان) .
وحدثنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفى الأصبهانى، ﵀،
[ ١٣٣ ]
أنا أبو طاهر خالد بن عبد الواحد بن خالد التاجر، أنا أبو الحسن سَري
بن عبد الله الدومي القارئ، نا أبو جعفر أحمد بن جعفر بن حمدان بن
مالك القطيعى، نا علي بن طيفور، نا قتيبة، نا حُمَيْد بن عبد الرحمن
عن الحسن بن صالح، عن هارون أبي محمد عن مقاتل بن حيان عن قتادة
عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال:
"إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له
بقراءته قراءة القرآن عشر مرات "
وروى أبو عبيد بإسناده، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اقرؤوها على موتاكم".
وروى أبو عبيد أيضًا عن ابن عباس أنه قال: إن لكل شيء لُبابًا، وإن لُباب القرآن: آل حم، أو قال: الحواميم.
وروى أيضًا عن المهلب بن أبي صُفرة
[ ١٣٤ ]
أنه قال: حدثني من سمع النبي - ﷺ - قال: إن بُيتمْ الليلة فقولوا: حم لا ينصرون، قال أبو عبيد: هكذا يقول المحدثون بالنون - واعرابها لا ينصروا.
وأقول: إن قول المحدثين صحيح، وله وجه ظاهر.
وروى أبو عبيد، عن مجاهد، قال: قال عبد الله: آل حم ديباج القرآن" وَرَوَى في عبد الله أنه قال: إذا وقعتُ في آل حمَ وقعتُ في روضاتٍ دَمِثاتٍ
أتأنق فيهن.
[ ١٣٥ ]
وقال مسعر: بلغني أنهن كن يسمين العرائس.
قال أبو عبيد: آل حم كما تقول آل فلان.
الترمذي بإسنادنا عنه، وبإسناده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله - ﷺ -:
"من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك".
وروي أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غفر له".
وروى أبو عبيد عن مسروق بن الأجدع قال: من أراد أن يَعْلَم نبأ
الأولين، ونبأ الآخرين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار ونبأ أهل
الدنيا، ونبأ أهل الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
وروي عن عبد الله بن مسعود قال: إني قد أمرت بناتي أن يقرأن
سورة الواقعة كل ليلة، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقه.
وروى الترمذي، عن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب
[ ١٣٦ ]
النبي - ﷺ - خباءَه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبي - ﷺ - قال: يا رسول الله: ضربت خبائي على قبر، وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فقال النبي - ﷺ -:
"هي المانعة، هي المنجية من عذاب القبر".
وروى أيضًا عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: أن سورة من القرآن ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: (تبارك الذي بيده
الملك) .
وروى عاصم بن أبي النجود عن زِر بن حُبَيْش عن عبد الله بن
مسعود، ﵀: من قرأ تبارك الذي بيده الملك في كل ليلة منعه الله
من عذاب القبر.
وكنا في زمن رسول الله - ﷺ - نسميها المانعة.
وعن النسائي بالإسناد المتقدم أخبرنا علي بن حُجْر، أنا بقية بن
الوليد، عن بَحِيْر بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن أبي
بلال، عن العِرْباض بن سارية أن النبي - ﷺ - كان يقرأ المسبحات قبل أن
[ ١٣٧ ]
يرقد، ويقول: إن فيهنَ آية أفضل من ألف آية".
وفي رواية أبي عبيد "حتى يقرأ المسبحات، ويقول: إن فيها آية كألف آية".
وروى أبو عبيد أن رسول الله - ﷺ - قال:
"إني نسيت أفضل المسبّحات فقال أُبَيَ بن كعب: فلعلها (سبح اسم ربك الأعلى) قال: نعم"
ومعنى هذا الحديث أنه - ﷺ - كان قد أعلم بأفضلها، ثم
نسي، فأذكره أُبَي.
وروى أبو الدرداء، ﵁، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال:
"تَعَلموا (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) .
تعلموا (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) .
تعلموا (والنجْمِ إذا هَوَى)
تعلموا (والسماء ذَات البروج)، (والسماء والطارق)
فإنكم لو علمتم ما فيهن لعطلتم ما أنتم فيه، وتعلمتموهن.
فإن الله يغفر بهن كل ذنب إلا الشَرك بالله.
وروت فاطمة، ﵂، عن أبيها - ﷺ - أنه قال: "قارئ الحديد والواقعة، وسورة الرحمن يدعى في ملكوت السموات ساكن الفردوس ".
[ ١٣٨ ]
وعن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ -:
"من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة رأي العين فليقرأ (إذا الشمس كورت "
و(إذا السماء انفطرت " و(إذا السماء الشقت)
الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"من قرأ إذا زُلْزِلَتْ " عدلت له بنصف القرآن.
ومن قرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) عدلت له بربع القرآن.
ومن قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، عدلت له بثلث القرآن".
النسائي أخبرنا عبيد الله بن فضالة، أنا عبد الله، نا سعيد، حدثني
عيّاش بن عبّاس القتبانيّ، عن عيسى بن هلال الصدفيّ، عن عبد الله بن
عمرو بن العاص قال: أتى رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: أقرئني
[ ١٣٩ ]
يا رسول الله، فقال له رسول الله - ﷺ -:
"اقرأ ثلاثًا من ذات الراء.
فقال: الرجل: كبرت سِني، واشتد قلبي، وغلظ لساني، فقال: اقرأ ثلاثًا من آل حم، فقال مثل مقالته الأولى، فقال: اقرأ ثلاثًا من المسبّحات، فقال مثل مقالته، ثم قال الرجل: ولكنْ أقرئني سورة جامعة، قال فاقرأ (إذا زلْزِلَتِ الأرضُ زِلْزَالَها)، فقرأ حتى فرغ منها، فقال: والذي بعثك
بالحق لا أزيد عليها شيئًا أبدًا، ثم أدبر الرجل، فقال رسول - ﷺ -: "أفلح الرويجل، أفلح الرويجل "
والرويجل تصغير رجل، على غير قياس، وكأنه تصغير راجل.
يقال: رجل، ورجيل، ورويجل.
وعن ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - أنه قال:
"من قرأ سورة والعصر، ختم الله له بالصبر، وكان مع أصحاب الحق
يوم القيامة، ومن قرأ (وَيل لِكل همَزَةٍ)، أعطي من الأجر بعدد من استهزأ بمحمَد - ﷺ -، ومن قرأ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ
رَبُّكَ)، عافاه الله أيام حياته في الدنيا، ومن قرأ
[ ١٤٠ ]
(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من طاف
بالكعبة، واعتكف بها، ومن قرأ (أرَأيت الذي يكذبُ بِالدِّينِ)
غفر الله له إن كان مُؤديًًا للزكاة".
وعن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -:
(قل يا أيها الكافرون) تعدل ربع القرآن، و(إذا زلزلت) تعدل ربع
القرآن، و(إذا جاء نصر الله) تعدل ربع القرآن ".
وعن جبير بن مطعم أن رسول الله - ﷺ - قال:
"يا جبير أتحب إذا خرجت سفرًا أن تكون أفضل أصحابك، وأكثرهم زادًا؟ اقْرأ بهذه السور الخمس (قل يا أبها الكافرون، وإذا جاء نصر الله، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس ".
وروى الترمذي بإسناده عن فروة بن نوفل أنه أتى النبي - ﷺ - - فقال: يا رسول الله: عَلمْني شيئًا أقوله إذا أويتُ إلى فراشي، فقال: اقرأ (قل يا أيها الكافرون " فإنها براءة من الشرك -.
[ ١٤١ ]
وروى أيضًا عن عبد الله بن خبيب قال: خرجنا في ليلة مطيرة.
وظلمة شديدة، نطلب رسول الله - ﷺ - يصلي بنا، فأدركته، فقال: "قل" فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل، فقلت: ما أقول؟
قال: (قل هو الله أحد)، والمعوذتين ثلاث مرات حين تمسي، وحين
تصبح يكفينك من كل شيء".
وروى بإسناده عن عائشة، ﵂، أن النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيْهِ، ثم نفث فيهما يقرأ فيهما: (قل هُوَ الله أحَدٌ، وقل أعوذ بِرَب الفَلَقِ، وقُل أعوذُ برَب النْاسِ) .
ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأَسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات "
قال: هذا حديث غريب صحيح.
وروى النسائي بإسناده عن مهاجر أبي الحسن، عن رجل من أصحاب
النبي - ﷺ -، قال: كنت أمشي مع النبي - ﷺ - فسمع رجلا يقرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) حتى ختمها.
قال: "قد برئ هذا من الشرك "، ثم سرنا.
فسمع آخر يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فقال: "أما هذا فقد غفر له.
[ ١٤٢ ]
وروى أيضًا بإسناده عن قتادة بن النعمان قال: قام رجل من الليل
يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) السورة يرددها لا يزيد عليها، فلما أصبحنا قال
رجل: يا رسول الله إن رجلًا قام الليلة من السحَر يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)
لا يزيد عليها كأنَّ الرجل يَتَقَالَّها، فقال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن ".
وروى أيضًا بإسناده عن قتادة بن النعمان، قال: قام رجل من الليل
يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) السورة.
وروى أيضًا بإسناده عن، عقبة بن عامر قال: قال
رسول الله - ﷺ -:
"أنزل على آيات لم يُرَ مثلُهن قط المعوذتين.
وروى الترمذي بإسناده عن أبي أيوب قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن، من قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) .. فقد قرأ ثلث القرآن ".
[ ١٤٣ ]
وروى عن أبي هريرة قال: أقبلت مع النبي - ﷺ -، فسمع رجلًا يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فقال النبي - ﷺ -: "وجبت قلت: ما وجبت؟
قال: الجنة".
وصحح الحديث.
وروى أيضًا بإسناده عن أنس بن مالك قال:
"من قَرَأَ كل يوم مائتي مَرة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) مُحِيَ عنه ذنوبُ خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين.
قال: وبهذا الإسناد عن النبي - ﷺ -:
"من أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الربُّ: يا عبدي ادْخل على يمينك الجنة".
وروى أيضًا بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"احْشُدوا فإني ساقرأ عليكم ثلث القرآن، قال: فحشد من حشد، ثم خرج
نبي الله - ﷺ -، فقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله - ﷺ -: فإني ساقرأ عليكم ثلث القرآن إني لأرى هذا خبرًا
[ ١٤٤ ]
جاءه من السماء.
ثم خرج نبي الله - ﷺ -، فقال: إني قلت: ساقرأ عليكم
ثلث القرآن ألا وإنها تعدل ثلث القرآن".
هذا حديث حسن صحيح.
وروى الترمذي أيضًا عن أنس قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في
مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة، افتتح
بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تقرأ بهذه السُورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بسورة أخرى.
قال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أؤمكم بها فعلت، وإن
كرهتم تركتكم، وكانوا يرونه أفضلهم، فكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي - ﷺ - أخبروه الخبر، فقال: "يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابك؟ وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: يا رسول الله إني أحبها، فقال: "إن حُبكَها أدخلك الجنة".
وعن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ بالمعوذتين في دُبُر كل صلاة.
وعن أسماء بنت أبي بكر، ﵄،: من صلى
[ ١٤٥ ]
الجمعة ثم قرأ بعدها (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والمعوذتين، حُفِظ وكُفِيَ من
مجلسه ذلك إلى مثله.
وعن ابن شهاب من قرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والمعوذتين بعد صلاة
الجمعة، حين يسلم الإمام قبل أن يتكلم سبعًا سبعًا كان ضامنًا.
قال أبو عبيد: أراه قال: على الله هو وماله وولده من الجمعة إلى الجمعة.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ)
قال: هن ثلاث آيات في سورة الأنعام:
(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ) ..، إلى ثلاث آيات.
والتي في بني إسرائيل (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) إلى آخر الآيات.
وعن منذر الثوري قال لي الربيع بن خُثَيْم: أَيَسُركَ أن تلقى
[ ١٤٦ ]
صحِيفة من محمد - ﷺ - عليها خاتَمُهُ؟.
قلت: نعم، وأنا أرى أنه سيطرفني، فما زادني على هؤلاء الآيات
من سورة الأنعام (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ) إلى آخر الآيات
وقال عبد الله ابن مسعود ﵀: ما من آية أجمع لخير وشر، من آية في سورة النحل (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ..) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وقال: ما في القرآن آية أعظم فَرَجًا من آية في سورة الزمر:
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) إلى آخرها.
وعنه أيضًا: ما في القرآن آية، أكثر تَفْويضًا من آية في سورة
النساء القُصْري (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣) .
وقال ابن عباس لعبد الله بن عمر: أي آيةٍ في كتاب الله أرجى؟
قال عبد الله بن عمر: قول الله ﷿: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) الآية.
فقال ابن عبَاس: لكن قول الله عز
[ ١٤٧ ]
وجل: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)
قال ابن عباس: فرضي منه بقوله: بلى، قال فهذا لما يعترض في الصدر ممَا يوسوس به الشيطان.
وعن أبي الفرات مولى صفية أُم المؤمنين، ﵂، أن
عبد الله بن مسعود قال: في القرآن آيتان ما قرأهما عبد مسلم عند ذنب إلا
غُفِر له، قال: فسمع بذلك رجلان من أهل البصرة، فأتياه، فقال: التيا أبى ابن كعب، فإني لم أسمع من رسول الله - ﷺ - شيئًا إلا قد سمعه أبى.
قال: فأتيا أبى بن كعب، فقال لهما: اقرأ القرآن فإنكما ستجدانهما، فقرأا حتى إذا بلغا من آل عمران (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الآية، وقوله ﷿: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)
فقالا: قد وجدناهما، فقال أبَى: أين؟ فقالا في آل عمران، والنَساء، فقال: هما هما.
وقال عبد الله بن مسعود، ﵀: إن في النساء خمس آيات
ما يَسُرني أن لي بها الدنيا وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها
يعرفونها قوله ﷿: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)
وقوله ﷿: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)
وقوله ﷿: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)
[ ١٤٨ ]
وقوله ﷿: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)
وقوله ﷿: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) .
وعن المُطَّلِب بن حَنْطب: أنّ رسول الله - ﷺ - قرأ في مجلس ومعه أعرابى جالس: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)
فقال الأعرابى: يا رسول الله: مثقال ذرة؟
قال: (نعم)، فقال الأعرابي: واسوءتاه مرارًا، ثم قام، وهو يقولها، فقال
رسول الله - ﷺ -: "لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان".
وعن حنش الصنعانى أن رجلًا مُصابًا مُر به على ابن مسعود، فقرأ
في أذنه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)
حتى ختم الآية فبرأ، فقال رسول الله - ﷺ -:
"ماذا قرأت في أذنه"؟ فأخبره، فقال
[ ١٤٩ ]
رسول الله - ﷺ -:
"والذي نفسي بيده لو أن رجلًا قَرَأَ بها على جبل لزال ".
وقال عامر بن عبد قيس ﵀: أربع آيات من كتاب الله عز
وجل إذا قرأتُهن، فما أبالي ما أُصبحُ عليه، وما أُمسي قوله ﷿:
(مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)
وقولِه ﷿: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ)
وقوله ﷿: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)
وقوله ﷿: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) .
وقال عبد الله بن مسعود، ﵁: إن كل مؤدِّبٍ يحب أن
يؤتى أَدبُهُ، وإن أدب الله ﷿ القرآن.
الترمذي عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأتُرجة ريحها طيب، وطعمها طيب.
ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة.
القرطبى ١٥٧/١٢، وفضائل القرآن لأبي عبيد ٧٣ - ًًا، وعمل اليوم والليلة لابن ال@نى
٢٩٨، والحلية ١/ ٧، والإتقان ٤/ ١ ٤ ١.
هو أبو عَبْد الله، عامر بن عبد الله، المعروف بابن عبد قيس العنبرفي البصري الزاهد:
تابعى ثقة، من عثاد التابعين. قال أبو نعيم: هو أول من عرف بالنسك من عئاد التابعين
بالضرة. هاجر إليها، وعلْم أهلها القرآن، فتخرْج عليه في النسك والتعئد. وهو من
أقران أوشى الفرَنى، وأبي مسلم الخَوْلانى. مات ببيت المقدس في خلافة معاوية نحو
سنة ٥٥ هـ.
الحلية ٢/ ٨٧، والسير ٤/ ٥ ١، والأعلام ٣/ ٢ ٥ ٢.
في ظ: "﵁ ".
تاريخ ابن عساكر جزء عاصم - عايذص ٣٦٣، وفضائل القرآن لأبي عبيد ٧٣ - ًًا؟
و٧٣ - ب.
فضاثل القرآن لأي عبيد ٢ - ب.
الأترُجْ: شجر يعلو، ناعم الأغصان والورق والثمر، وثمره كالليمون الكبار، وهو ذهبي
اللون، ذكي الراثحة، حامض الماء.
١٥٠
[ ١٥٠ ]
لا ريح لها، وطعمها حلو
ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب، وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ريحها مر، وطعمها مر".
وقال هذا حديث حسن صحيح.
وحدَثني الشيخ أبو المظفر عبد الخالق بن فيروز الجوهري، رحمه
الله، بالإسناد المذكور إلى النَّسائى، حدثنا عبيد الله بن سعيد، نا يحيى.
عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال:
"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأتْرُجة طعمها طيب، وريحها طيب.
ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب، ولا ريح لها.
ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب، وطعمها
مُر.
ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مُر، وليس لها
ريح.
وبالإسناد قال النسائي: حدثنا عبيد الله بن سعيد، عن
عبد الرحمن، قال: حدثني ابن بديل بن مَيْسَرة، عن أبيه، عن أنس بن
مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"إن للهِ أهلين من خلقه.
قالوا: ومن هم يا رسول الله؟
قال: أهل القرآن، هم أهل الله، وخاصته ".
[ ١٥١ ]
وروى أبو عبيد هذا الحديث، فقال: نا عبد الرحمن بن مهدي، عن
عبد الله، أو عبد الرحمن بن بديل العُقَيْلى، عن أبيه بديل بن ميسرة، عن
أنس بن مالك.
وروى أبو عبيد بإسنادهِ عن عبد الله بن مسعود، عن
النبي - ﷺ - قال:
"إن هذا القرآن مَأدُبَةِ الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم.
إن هذا القرآن حبل الله ﷿، وهو النور المبين، والشفاء النافع.
عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لايَعْوَج فَيُقَومُ، ولا يزيغ
فَيسُتَعتَب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد، فاتلوه، فإن الله
يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: (الم)
حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر وميم عشر".
وقال أبو عبيد: حدثنا حجاج، عن المسعودي، عن عون بن
عبد الله بن عتبة قال: "مَلَّ أصحاب رسول الله - ﷺ - رِو ملَّةً، فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله ﵎:
(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)
قال: ثم نعته، فقال: (كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)
إلى آخر الآية.
قال: ثم مَلوا مَلَّةً أخرى، فقالوا: يا رسول الله حدثنا شيئًا فوق الحديث، ودون القرآن؟ يعنون القصص، فأنزل اللة ﵎: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣) .
قال: فإنْ أرادوا الحديث دلهم على
[ ١٥٢ ]
أحسنِ الحديث، وإن أرادوا القَصَص دلهم على أحسنِ القصص
القرآن ".
ورَوَى أيضًا عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي - ﷺ - قال: "لو كان القرآن في إِهاب ثم أُلْقِيَ في النار ما احترق".
قال أبو عبيد: وجه هذا عندنا أن يكون أراد بالإِهاب قلب المؤمن، وجوفه الذي قد وعى القرآن.
وقال الأصمعى: لو جعِل القرآن في إنسان، ثم ألقي في النار ما احترق.
يقول إن من حفظ القرآن من المسلمين لا تحرقه النار يوم القيامة إنْ أُلْقِيَ
فيها بالذنوب.
وقال غيره: كان هذا في عصر النبي - ﷺ - عَلَمًا لنبوته، ودليلًا على أن القرآن كلام الله، ومن عندِهِ، ثم زال ذلك بعد النبي - ﷺ -.
وقيل: أراد بقوله: ما احترق القرآن، لا الإِهاب؟ أي يحترق الِإهاب، ولا يحترق القرآن.
وكل هذه الأقوال غير مستقيمة
أما قول أبي عبيد، إنه أراد بالإهاب قلب المؤمن، وجوفه، فتأويل لا دليل عليه؛ لأن الإِهاب الجلد الذي لم يدبغ، فاستعماله في جوف المؤمن، أو قلبه من غير دليل لا يصح.
وظاهر اللفظ يقتضي خلاف ذلك؛ لأن هذا الكلام إنما يقال
على وجه الفرض والتقدير، لو قدر جعله في إهاب ثم ألقي في النار ما
احترق الإهاب، ولا يستغرب كون القرآن في جوف المؤمن، ثم إن جوف
[ ١٥٣ ]
المؤمن لا يلقى في النار دون جسده، ثم إن أراد نار الدنيا، فإنا لا نشك
في احتراق من يلقى فيها من حفظة القرآن، وقد وقع ذلك.
وإن أراد نار الآخرة فبعيد أن يقال: لو ألقي قلب المؤمن في النار ما احترق.
وأما قول الأصمعي لو جعل القرآن في إنسان ثم ألقي في النار ما
احترق، أي من حفظ القرآن من المسلمين لم تحرقه النار يوم القيامة إن
ألقي فيها، فذلك خلاف ما جاء في الأخبار الصحاح أن المؤمنين يحرقون
بتلك النار، ويخرجون حين يخرجون منها، وقد صاروا حممًا.
وأما قول من قال: كان ذلك في عصر النبي - ﷺ - عَلَمًا لنبوته، فذلك أيضًا غير صحيح؛ لأن ذلك لم ينقل، ولو كان كذلك لفعله المسلمون غير مرة ليقيموا به الحجة على المشركين.
وأما قول من قال: يحترق الإهاب، ولا يحترق القرآن فكلام لا
معنى تحته، لأن ذلك من المعلوم؛ لأن القرآن كلام الله، والكلام لا
بحترق، إنما تحترق الأجسام.
وكذلك أيضًا كلام الخلق لو كتب في كتاب، وألقي في النار لاحترق الكتاب دون الكلام.
وإنما معنى الحديث عندي، والذي لا أعتقد سواه أن القرآن لو كتب
في إهاب وألقي ذلك الإهاب في نار جهنم لم يحترق، ولم تَعْدُ النَار
احترامًا للقرآن، إذ لم يجعل لها سلطان على ما هو وعاء له، وأعلَمَ الله عز
وجل نبيه - ﷺ - بأن النار لا تعدو على ما كتب فيه القرآن ليكون ذلك بشرى لحملة القرآن، وبسطًا لرجائهم كما قال ﷿: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) أعلمنا الله ﷿ بذلك، وهو الحق، ليكون موعظة لبني آدم، وأن قلوبهم لا تتصدع، ولا تخشع، لما تخشع، وتتصدع له الجبال.
ولما ذكرناه من بسط الأمل قال أبو أمامة: احفظوا القرآن،
[ ١٥٤ ]
ولا تغرنكم هذه المصاحف، فإن الله لا يعذب بالنار قلبًا وعى القرآن
اللهم إنا نرجو ما رجاه أبو أمامة، ولا تخيِّب رجاءنا برحمتك.
[ ١٥٥ ]
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"القرآن شافع مشفع، وماحِل مصدقٌ، من شفع له القرآن يوم القيامة نجا، ومن مَحِل به القرآن
[ ١٥٦ ]
يوم القيامة أكبَّه الله في النار على وجهه ".
وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
"إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة كالرجل الشاحب، فيقول هل
تعرفني؟ فيقولِ: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في
الهواجر، وأسهرت ليلك.
إن كل تاجر من وراء تجارته، وإني اليوم من وراء كل تجارة.
قال: فيعطى المُلْك بيمينه، والخُلْد بشماله، ويوضع على
رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حُلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان بِمَ
كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقْرَأْ واصعد في
درح الجنة، وغرفها، قال فهم في صعود ما دام يقرأ هذًّا كان، أو
نرتيلا.
ولهذا الحديث قالت عائشة، ﵂: إن عدد درج الجنة
بعدد آي القرآن فمن دخل الجنة ممن قرأ القرآن فليس فوقه أحد.
[ ١٥٧ ]
وعن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله - ﷺ -:
"الذي يقرأ القرآن، وهو به ماهِرٌ، مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، وهو يشتد عليه، فله أجران".
* * *