هي سبع آيات باتفاق إلا أنهم اختلفوا في الآية السابعة فعد
الكوفيون والمكي (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية من الفاتحة.
ولم يعدوا (أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) .
وبالعكس المدنيان والبصري والشامي. وعدَّ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية من الفاتحة الشافعى ﵀، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأهل الكوفة، وأكثر أهل العراق، وابن شهاب الزهري، وعمرو بن دينار، وابن جريج، ومسلم بن خالد، وسائر أهل المدينة، وهو مذهب ابن عمر، والصحيح عن ابن عباس، وبه تقول جماعة، وأصحاب ابن عباس: سعيد بن جبير، وعطاء ومجاهد وطاووس.
وقد روي الجهر بها في الصلاة عن أبي هريرة، وعمَّار، وابن
الزبير، واختلف في ذلك عن عمر، وعلي، وكان أحمد وإسحاق، وأبو
عبيد، وسفيان، وابن أبي ليلى، والحسن بن حَيّ، وابن شبرمة
يخفونها في صلاة الجهر.
[ ٢٧٧ ]
وكذلك يقول إبراهيم النخعي، والحكم بن عيينة، وحمَّاد، وهو
مذهب عبد الله بن مسعود، ﵁، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة.
﵁، وقال الكرخى، وغيره من أصحابه: لم يحفظ عنه أنها
من فاتحة الكتاب، أوليست منها، ومذهبه يقتضي أنها ليست بآية منها.
قالوا: لأنه يسر بها في صلاة الجهر، والإسرار بها لا يدل على ما قوَّلوه
به؛ لأن جماعة من فقهاء الكوفة قد عدوها منها وهم يُسرون بها اتباعًا
للسنة في صلاة الجهر، واقتداء بالآثار الواردة في ذلك.
وقال داود: هي آية، مفردة في كل موضع كتبت فيه في المصحف.
وليست بآية في شيء مما افتتح به.
وإنما هي آية في قوله ﷿: (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) .
لا غير.
قال الرازي: ومذهب أبي حنيفة يقتضي عندي ما قاله داود.
وكذلك قال مالك، ﵁، إلَّا أنه قال: إن الله - ﷿ - لم
ينزلها في شيء من كتابه إلا في وسط سورة النمل، ولا تقرأ في الفاتحة
في الفريضة سرًّا ولا جهرًا.
وقال بجميع ذلك من قوله الأوزاعي، وابن جرير الطبري.
وعدوا كلهم (أنعمت عليهم) آية.
وحجة من عدَّها
[ ٢٧٨ ]
آية ما روى الليث بن سعد، ﵀، قال: حدثني خالد بن يزيد.
عن سعيد بن أبي هلال، عن نُعَيم المُجْمر قال: صليت وراء أبي هريرة
فقرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ (وَلَا الضَّالِّيْنَ " فقال: آمين، وقال الناس: آمين، وكان يقول كلما ركع وسجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس قال: الله أكبر، ويقول إذا سلَّم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاةً برسول الله - ﷺ -.
والليث بن سعد إمام قدوة، وخالد بن يزيد الإسكندري، وسعيد بن أبي هلال من الثقات عند أهل الحديث.
وروى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - كان إذا افتتح الصلاة جهر بها (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
قالوا: ومما يدل على أنها آية من أول فاتحة الكتاب أن أم سلمة
وصفت قراءة رسول الله - ﷺ - فقالت:
"كان رسول الله - ﷺ - يُقطع قراءته
آية، آية (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) .
فهذا دليل على أنه - ﷺ - كان يقرؤها كذلك.
ويجهر بها.
وعن عبد الله بن عمر، وابن عباس، ﵄: أنهما كانا
إذا افتتحا الصلاة يقرأان (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
وكذلك روي
[ ٢٧٩ ]
عن عبد الله بن الزبير.
وروى سفيان الثوري، ﵀، عن عاصم.
قال: سمعت سعيد بن جبير يقرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
في كل ركعة.
وروي عن ابن جريج قال: أخبرني أبي: أن سعيد بن جبير
أخبره، عن ابن عباس قال في قوله ﷿: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا)
قال هي أم القرآن.
قال عبد الرزاق قرأها على ابن جريج (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)
آية آية، وقال: قرأها على أبي كما قرأتها عليكَ، وقال قرأها على ابن عباس كما قرأتها عليك.
وقال ابن عباس: قد أخرجها الله لكم - يعني فاتحة الكتاب - وما أخرجها
لأحد قبلكم.
وعن سعيد بن جبير سألت ابن عباس، ﵁، عن قول
الله ﷿: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) .
قال: هي أم القرآن، استثناها الله ﷿ لأمة محمد - ﷺ - وأخرها حتى أخرجها لهم، ولم يعطها أحدًا قبل أمة محمد - ﷺ -
[ ٢٨٠ ]
قال سعيد: ثم قرأها ابن عباس فقرأ فيها (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
قال ابن جريج: قلت لأبي: أخبرك سعيد بن جبير أن ابن عبّاس
قال له: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية من فاتحة الكتاب؟
قال: نعم.
وعن عكرمة عن ابن عباس أنّه كان يجهر ب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ويقول: هو شيء، أخلسه الشيطان من عامة الناس.
وهذا هو الأكثر والأشهر عن ابن عباس أنه كان يجهر بها، وأنها أول آية في فاتحة الكتاب، وعلى ذلك جميع أصحابه.
ولا خلاف في ذلك عن ابن عمر، وابن الزبير، وشدّاد بن أوس.
وعطاء، ومجاهد، وطاووس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومكحول.
وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب الزهري.
وقال محمد بن كعب القرظي: فاتحة الكتاب سبع آيات ب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
وكان ابن شهاب يقول: من ترك (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
فقد ترك آية من فاتحة الكتاب.
وعن أبي المقدام صلّيت خلف عمر بن عبد العزيز فسمعته يقرأ:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
[ ٢٨١ ]
وقال أبو عبيد: أخبرنا ابن أبي مريم، عن عبد الجبار بن عمر، أنه
سمع كتاب عمر بن عبد العزيز يقرأ: استفتحوا بـ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ..
وكان عمر بن عبد العزيز، ﵀: يقتدي بعمل أهل
المدينة، ويحمل عليه الناس.
وقال الشافعيّ، ﵁: حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز
قال: أنبأنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن أبا
بكر بن حفص بن عمر بن سعيد أخبره، أن أنس بن مالك أخبره، قال:
صلَّى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم يقرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، ولم يكبر في الخفض والرفع، فلما فرغ ناداه
المهاجرون والأنصار: يا معاوية نقصت الصلاة
أين (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؟
وأين التكبير إذا خفضت ورفعت؟
فكان إذا صلَّى بهم بعد ذلك قرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وكبَّر.
وهذا يدل على أن الجهر بها في أول الفاتحة في الصلاة من عمل
أهل المدينة، وأنها آية منها لقولهم: نقصت الصلاة.
وروى عكرمة، عن ابن عباس أنّه كان يفتتح ب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يجهر بها، وكان يقول: إنما ذلك شيء سرقه الشيطان
من الناس.
وأما من لم يعدّها آية من الفاتحة.
وأسقطها منها، فإنه احتج بما رواه قيس بن عباية قال: حدّثني ابن عبد الله بن مغَفَّل عن أبيه، قال:
[ ٢٨٢ ]
سمعني أبي وأنا أقرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فقال: يا بنى إياك
والحدث، فإني صليت مع رسول الله - ﷺ - كبر، ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرؤها.
فإذا قرأت فقل: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .
وقيس بن عباية الحنفى أبو نعامة ثقة عند أهل الحديث إلا أنه لم
يرو هذا الحديث عن ابن عبد الله بن مُغَفَّل سواه فابن عبد الله بن
مُغَفَل مجهول؛ لأن المجهول عندهم من لم يرو عنه إلا رجل واحد.
والمجهول لا تقوم به حجة، وقد ذهب إلى هذا الحديث من أسقطها.
وذهب إليه من أسر بها؛ لأنه قال: لم أسمع، أو ما سمعت أحدًا
منهم؟.
واحتجوا أيضًا بماْ رواه أبو الجوزاء، واسمه أوس بن عبد الله، من
رَبَعَة الأزْد، عن عائشة، ﵂، "أن النبي - ﷺ - كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة ب (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، ويختمها بالتسليم ".
قال أهل الحديث: هذا حديث مرسل؛ لأن أبا الجوزاء لا يعرف
له سماع من عائشة ﵂، وأيضًا فإنه لا حجة فيه لمن أسقط
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؛ لأن قولها يفتتح الصلاة ب (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) لم تُردْ به نفي (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وإنما
[ ٢٨٣ ]
أرادت كان - ﷺ - يفتتح الصلاة بهذه السورة ويختمها بالتسليم.
وهذا واضح.
واحتجوا أيضًا بما روى مالك، ﵀، عن العلاء بن عبد
الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه سمعه يقول: سمعت
أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
"من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجٌ هي خِدَاجٌ: غير تمام.
قال: قلت: يا أبا هريرة: إني أحيانًا أكون وراء الإمام قال: فَغَمَز ذراعي، ثم قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي، فإنى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل ".
قال رسول الله - ﷺ -:
"اقرؤوا: يقول العبد: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يقول الله: حمدني عبدي. يقول البعد: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، يقول الله: أثنى على عبدي.
يقول العبد: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) يقول الله تعالى: مجَّدني
عبدي.
يقول العبد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فهذه الآية بيني وبين
عبدي، ولعبدي ما سأل.
يقول العبد: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)
[ ٢٨٤ ]
فهؤلاء لعبدي. ولعبدي ما سأل ".
وليس لهم حديث في سقوط (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) من أولِ الفاتحة أقوى من هذا الحديث لقول رسول الله - ﷺ -:
"اقرؤوا يقول العبد: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
قالوا: ولم يقل: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثم قال، بعد أن عذ
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) آية: يقول (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فعدَّها
آية، قالوا: ثم قال: يقول العبد: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فعدّها آية، ثم قال:
يقول العبد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فعدهَا آية، فتمَّت أربعًا.
ثم قرأ إلى آخر السورة فقال: هؤلاء، ولم يقل: هاتان، فدل ذلك
على ثلاث آيات لتتم سبع آيات؛ إذ أجمع المسلمون على أنّها سبع
آيات، قالوا فدل هذا الحديث على أن (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) آية، وأنّ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ليست آية، وهذا حديث لا خلاف في
صحته، وثقة رواته.
والكلام على هذا الحديث من وجهين: قول الأئمة، والمعنى.
أما قول الأئمة، قال يحيَى بن معين: العلاء بن عبد الرحمن ليس
حديثه بحجّة، هو وسهيل قريب من السواء.
وقال أحمد بن حنبل، ﵀: هو عندي أقوى من سهيل بن أبي صالح، ومحمد بن عمرو.
[ ٢٨٥ ]
وقال ابن أبي خيثمة:. سمعت يحيَى بن معين يقول: العلاء بن
عبد الرحمن ليس بذاك، لم يزل الناس ينفون حديثه.
وقال أبو حاتم الرازي: روى عن العلاء الثقات، وأنا أنكر من
حديثه أشياء.
وقال أبو عمر بن عبد البر: العلاء ليس بالمتين عندهم، وقد
انفرد بهذا الحديث، وليس يوجد إلا له، ولا تروى ألفاظه عن أحد
سواه. والله أعلم.
وأما من جهة المعنى فأقول مستعينًا بالله: إنه ليس بحجة في
إسقاط (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) من الفاتحة؛ لأنه إنما لم يذكر
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؛ لأن المراد منها موجود في قوله في الآية
الثالثة (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . فلو قال: اقرؤوا: يقول العبد (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، يقول الله ﷿: أثنى علي عبدي، ثم قال بعد
ذلك يقول العبد: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لقال: يقول الله ﷿: أثنى
عليَّ عبدي، - واستغنى بإحدى الآيتين عن الأخرى.
وأما قوله يقول الله ﷿: هؤلاء لعبدي، فإنما أراد هؤلاء الكلمات ويعضد هذا الذي قلناه حديث نعيم المجمر "صليت وراء أبي هريرة".
والجمع بين الحديثين أولى من تعارضهما، والله أعلم.
[ ٢٨٦ ]
وابن أبي هلال الذي يرويه عن نعيم المجمر عن أبي هريرة؛ ليس بدون العلاء بن عبد الرحمن عند أهل الحديث.
ومما يشهد لصحة ما رواه أبو سعيد المَقْبُرِيّ، وصالح مولى التوءمة عن أبي هريرة "أنّه كان يفتتح ب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
وأما إثباتها آية في أول كل سورة فلم يذهب إليه أحد من أهل
العدد.
وقال ابن عباس - ﵄ -: من تركها فقد ترك مائة وأربع
عشرة آية.
قال الشافعي ﵀: وأخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج
عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يدع (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لأم
القرآن والسور التي بعدها وكذلك كان عطاء وأكثر أصحاب ابن
عباس". . . يقرؤونها في فاتحة الكتاب، وفي السورة التي يقرؤون
بعدها، وروى ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر: أنه كان يقرأ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في أول فاتحة الكتاب، ويقرؤها كذلك فىِ
السورة التي يقرأ بعدها.
وكذلك روى نافع عنه، وروي عن ابن الزبير مثل ذلك.
وعن سعيد بن جبير أن المؤمنين في عهد النّبي - ﷺ - كانوا
لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
فإذا نزلت (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) علموا أن السورة قد
انقضت، ونزلت الأخرى.
[ ٢٨٧ ]
وكذلك روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وروى المختار بن فلفل عن أنس قال: "بينما النبي - ﷺ - ذات يوم بين أظْهُرِنا إذْ أغْفَى إِغْفَاءَةً، ثم رفع رأسه مبتسمًا.
قلنا: ما يضحكك يا رسول الله؟
قال: نزلت عليّ آنفًا سورة فقرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) .
ثم قال: هل تدرون ما الكوثر؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: نَهْرٌ وَعَدَنِيْه ربّي في الجنّة آنيته أكثر من عدد الكواكب، تَرِدُ عَلَيْهِ
أمتي، فيختلج العبد منهم فأقول: يا ربِّ إنه من أمتي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدث بعدك؟.
فمذهب ابن عبّاس، ومن ذكرناه أنّها آية في أول كل سورة من
تلك السور، وهو مذهب ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء، ومكحول.
وطاووس، وابن مبارك، والشافعي، وقد اختلف عنه، وتحصيل مذهبه ما
ذكرته.
* * *