نلحظ من الحديث السابق الذي رواه البخاري أن أبا بكر الصديق ﵁ تردد في أول الأمر – في قبول عرض عمر بن الخطاب ﵁ بجمع القرآن الكريم. ولعل السبب في ذلك أن أبا بكر ﵁ ظن أن جمع القرآن الكريم كله في مصحف واحد بدعة في الدين، فخاف أن يحدث فيه ما لم يفعله الرسول ﷺ أو يأمر به، ولذلك قال رضي الله: "كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال ابن بطال: "إنما نفر أبو بكر أولًا، ثم زيد بن ثابت ثانيًا، لأنهما لم يجدا رسول الله ﷺ فعله، فكرها أن يحلا أنفسهما محل من يزيد احتياطه للدين على احتياط الرسول١.
ولكن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ يقنع أبا بكر بصواب الفكرة، وأن في هذا الأمر خيرًا، ولم يزل به حتى اقتنع بأهمية ذلك، ولذا قال: "فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك".
وبنفس الإقناع اقتنع زيد في آخر الأمر حيث قال "لم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄".
قال ابن حجر: "وقد تسول لبعض الروافض أنه يتوجه الاعتراض على أبي بكر بما فعله من جمع القرآن في المصحف فقال: كيف جاز أن يفعل شيئًا لم يفعله الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؟ والجواب: أنه لم يفعل
_________________
(١) ١فتح الباري ج٩ –ص ١١.
[ ٣٣ ]
ذلك إلاّ بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح منه لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وقد كان النبي ﷺ أذن في كتابة القرآن، ونهى أن يكتب معه غيره، فلم يأمر أبو بكر إلاّ بكتابة ما كان مكتوبًا. ثم قال: وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يعد من فضائله، وينوه بعظيم منقبته لثبوت قوله ﷺ: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" ١ فما جمع القرآن أحد بعده إلاّ وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة"٢.
ومن هنا يتبين أن عمل أبي بكر ﵁ لم يكن بدعة في الدين، ويكفي دليلًا على ذلك إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على استحسان عمله ومشاركتهم فيه، وقد عبر علي بن أبي طالب ﵁ عن ذلك بقوله: "أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع بين اللوحين٣.
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة. صحيح مسلم ج٢ –ص٧٠٥. ٢ فتح الباري ج٩ – ص١٠. ٣ أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ١٥٥، وابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٥، وأورده ابن كثير وقال عنه: إسناده صحيح، تفسير القرآن العظيم فضائل القرآن) ج١ – ص٢٥. وانظر: أضواء على سلامة المصحف الشريف من النقص والتحريف ٤٥-٤٧ وجمع القرآن ص٩٤.
[ ٣٤ ]