جمع القرآن الكريم يطلق في علوم القرآن على معنيين:
أحدهما: جمعه بمعنى حفظه في الصدور عن ظهر قلب، ويدل له قوله تعالى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (القيامة: ١٧) أي: جمعه في صدرك، وإثبات قراءته في لسانك١ وما جاء عن عبد الله بن عمرو – ﵁ – أنه قال: " جمعتُ القرآن فقرأته كلَّه في ليلة، فقال رسول الله ﷺ: إني أخشى أن يطول عليك الزمان، وأن تملَّ، فاقرأه في شهر، فقلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي قال: فاقرأه في عشرة، قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: فاقرأه في سبع، قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي فأبى" ٢ فمعنى قوله: جمعت القرآن أي: حفظته عن ظهر قلب.
ومنه قولهم: " جُمَّاع القرآن " أي: حفاظه.
الثاني: جمعه بمعنى كتابته، ويدل له ما ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري في قصة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق – ﵁ – ومما ورد فيه:
قول عمر بن الخطاب لأبي بكر – ﵄: " وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن "
وقول أبي بكر الصديق لزيد بن ثابت – ﵄: " فتتبع القرآن فاجمعه " أي: اكتبه كله.
_________________
(١) ١انظر الكشاف ج٦ – ص ٢٦٩. ٢الحديث أخرجه ابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة، باب في كم يستحب يختم القرآن، سنن ابن ماجة ج١ – ص ٤٢٨.
[ ٥ ]
وقول زيد بن ثابت – ﵁ -: " فتتبعت القرآن أجمعه من العسف واللخاف وصدور الرجال " ١
وإذا نظرنا إلى أشهر أسماء القرآن الكريم، فإننا سنجد فيها اسمين يدلان على المعنيين:
الأول: القرآن.
الثاني: الكتاب.
فالاسم الأول " القرآن " إشارة إلى جمعه عن طريق المعنى الأول، وهو الحفظ في الصدور. فالقرآن: لفظ مشتق من الفعل "قرأ" بمعنى تلا، فهو مرادف للقراءة، ودل على هذا قوله عز: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ (طه:١١٤) أي: لا تعجل بقراءة القرآن قبل أن ينتهي جبريل من قراءته. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: ٧٨) أي: قراءة القرآن في هذا الوقت تشهدها الملائكة ويشهدون بها.
قال اللحياني ٢ وجماعة من أهل اللغة: " قرآن: مصدر كغفران، سمي ب "المقروء" أي المتلو، تسمية للمفعول بالمصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (القيامة: ١٧،١٨) أي: قراءته، والمراد: جبريل ﵇. ومنه كذلك قول حسان بن ثابت يرثي عثمان ابن عفان ﵄:
ضَحُّوا بأشمطَ عنوانُ السجود به يُقَطِّعُ الليلَ تسبيحًا وقرآنا٣
أي: قراءة. ويقال: قرأ الرجل، إذا تلا، يقطع قرآنا وقراءة ٤
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن. صحيح البخاري ج٦ – ص ٩٨ ٢ هو علي بن حازم اللحياني، لغوي عاصر، الفراء، كان حيا سنة ٢٠٧هـ، معجم المؤلفين ٧: ٥٦ ٣ الاشمط: أبيض الرأس يخالطه سواد، انظر ديوان حسان ص ٤٦٩. ٤ انظر قوله في مدخل إلى تفسير القرآن د. زرزور ص ٤٥.
[ ٦ ]
والاسم الثاني "الكتاب" إشارة إلى جمعه عن طريق المعنى الثاني وهو الحفظ في السطور، فالكتاب في الأصل مصدر، ثم سمي المكتوب فيه كتابًا١.
قال السخاوي المتوفى سنة ٦٤٣هـ " ومن أسمائه – أي القرآن – الكتاب، سمي بذلك، لأن الكَتْبَ الجمع يقال: كتب إذا جمع الحروف بعضها على بعض، وتكَتَّب بنو فلان، أي: اجتمعوا٢.
وقال الدكتور محمد دراز: روعي في تسميته قرآنًا كونه متلوًا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر٣.
وحين يتحدث المؤلفون في علوم القرآن عن موضوع جمع القرآن الكريم فإن أغلبهم يطلق عبارة جمع القرآن الكريم في زمن النبي ﷺ، وجمعه في عهد أبي بكر الصديق ﵁، وجمعه في عهد عثمان بن عفان ﵁، ويريدون بالجمع معاني مختلفة، فبتدبر الأمر وتتبع الروايات نجد أن لفظ الجمع حين يطلق في زمن النبي ﷺ يقصد به حفظه عن ظهر قلب وكتابته على الأدوات المتوفرة ذلك الوقت.
_________________
(١) ١انظر المفردات ص ٤٢٣. ٢جمال القراء ج١ ص ٢٨. ٣النبأ العظيم ص ١٢، ١٣
[ ٧ ]
وحين يطلق في عهد أبي بكر الصديق ﵁ يقصد به كتابة القرآن الكريم في مصحف واحد مسلسل الآيات مرتب السور. وحين يطلق في عهد عثمان بن عفان ﵁ يقصد به نسخ المصحف الذي كتب في عهد أبي بكر ﵁ بمصاحف متعددة. وسنتناول بالتفصيل إن شاء الله – هذه المراحل في المباحث التالية:-
[ ٨ ]