بعد أن أرسل عثمان - ﵁ – المصاحف التي تم نسخها إلى الأمصار، أمر بما سواها مما كان بأيدي الناس أن يحرق، كما في حديث أنس السابق الذي أخرجه البخاري: "فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق". وقد استجاب الصحابة كلهم لذلك، وقاموا بحرق مصاحفهم، حتى عبد الله بن مسعود ﵁، فإنه بعد أن امتنع في أول الأمر رجع طواعية لما علم صواب ذلك، وأن مصلحة الأمة فيما فعله عثمان.
وقد أشار إلى ذلك ابن أبي داود في كتاب المصاحف حيث عقد له بابًا سماه "رضاء عبد الله بن مسعود لجمع عثمان ﵁ المصاحف٢.
وأخرج أيضًا عن سويد بن غفلة قال: " قال علي حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته"٣.
وأخرج أيضًا عن مصعب بن سعد قال: "أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، وقال: لم ينكر ذلك منه أحد٤.
_________________
(١) ٢المصاحف ص ١٨. ٣لمصاحف ص ١٢. ٤المصاحف ص ١٢.
[ ٥١ ]
وجاء في المصاحف عن سويد بن غفلة أنه قال: "والله لا أحدثكم إلاّ شيئًا سمعته من علي بن أبي طالب – ﵁ – سمعته يقول: "يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلاّ خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلاّ عن ملأ منا جميعًا." ثم قال: قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل١
ونقل أبو شامة عن البيهقي في جمع عثمان: "وذلك كله بمشورة من حضرة من علماء الصحابة – ﵃ -، وارتضاه علي بن أبي طالب – ﵁ -، وحمد أثره فيه"٢
وهكذا استطاع عثمان بن عفان – ﵁ – بهذا العمل الجبار أن يزيل جذور الخلاف، ويجمع الأمة عبر كل العصور – منذ عهد الصحابة ﵃ وحتى عصرنا الحاضر – على التزام المصحف الذي أجمعوا عليه، وحمد له المسلمون ذلك العمل. قال الزركشي: "ولقد وفق لأمر عظيم، ورفع الاختلاف، وجمع الكلمة، وأراح الأمة"٣.
_________________
(١) ١المصاحف لابن أبي داود ص ٢٢، ٢٣، وانظر: الجامع لأحكام القرآن ج١/ص٥٤، وفتح ج٩ –ص ١٨ ٢المرشد الوجيز ص ٦٢، وانظر السنن الكبرى للبيهقي ج٢ –ص٤١،٤٢. ٣البرهان في علوم القرآن ج١ –ص٢٣٩.
[ ٥٢ ]