حينما اقتنع الخليفة أبو بكر الصديق ﵁ بجمع القرآن الكريم، أمر عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت ﵄ بالبدء بهذه المهمة وسارا وفق منهج محدد بالاعتماد على مصدرين معًا هما:
الأول: ما كتب بين يدي النبي ﷺ.
الثاني: ما كان محفوظًا في صدور الرجال.
[ ٣٦ ]
ويدل لهما قول زيد بن ثابت – في الحديث السابق – الذي أخرجه البخاري: "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف، وصدور الرجال".
فقوله "من العسب واللخاف" دليل على المكتوب، وقوله "صدور الرجال" دليل على المحفوظ.
وما ذكره السيوطي عن موسى بن عقبة في مغازيه عن شهاب قال: لما أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر، وخاف أن يذهب من القرآن طائفة، فأقبل الناس بما كان معهم، وعندهم، حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق، فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في المصحف١
فقوله "فأقبل الناس بما كان معهم" يدل على إتيان الناس بالمحفوظ. وقوله "وعندهم" بالمكتوب٢.
ويقصد بالحفظ أنهم لم يقبلوا شيئًا من القرآن إلاّ إذا كان محفوظًا عن ظهر قلب. وهذا الشرط كان ميسورًا، لأن القرآن الكريم كان محفوظًا في صدور الصحابة.
أما الكتابة فيقصد بها أن يكون كتب بين يدي الرسول ﷺ. أما ما كان بأيدي الصحابة من القرآن المكتوب، فكان يطلب من الصحابي الذي يتقدم به أن يُشهد على أن هذا المكتوب كتب بين يدي النبي ﷺ أو روجع على قراءته، أو سمعه وأقره. ويؤكد هذا ما قاله أبو بكر لعمر وزيد ﵃: "اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه"٣
_________________
(١) ١الإتقان في علوم القرآن ج١ –ص٢٠٧ النوع الثامن عشر. ٢انظر: جمع القرآن ص١٠٢. والبيان في مباحث من علوم القرآن ص١٧٦، ١٧٧. ٣الأثر أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٦، وقال عنه ابن حجر: رجاله ثقات مع انقطاعه. فتح الباري ج٩ –ص١٢.
[ ٣٧ ]
كما يدل عليه ما أخرجه ابن أبي داود عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قال عمر: "من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شهيدان"١.
وليس المقصود بالشهادة هنا على قرآنية المكتوب، فقرآنيته بلا شك ثابتة متواترة بحفظ المئات من الصحابة، وإنما على أنه كتب بين يدي الرسول ﷺ، فكما هو معلوم كان للصحابة رضوان الله عليهم مصاحف خاصة بهم كتبوها في بيوتهم لأنفسهم.
قال أبو شامة موضحًا ذلك: "لم تكن البينة على أصل القرآن، فقد كان معلومًا لهم كما ذكر، وإنما كانت على ما أحضروه من الرقاع المكتوبة فطلب البينة عليها أنها كانت كتبت بين يدي رسول الله ﷺ وبإذنه على ما سمع من لفظه ولهذا قال: فليمل سعيد، يعني من الرقاع التي أحضرت، ولو كانوا كتبوا من حفظهم لم يحتج زيد فيما كتبه إلى من يمليه عليه٢.
إذن فالمقصود الشهادة على كونها مكتوبة لا كونها محفوظة، وهكذا كان منهج الجمع:
عدم الاكتفاء بما سمعاه من رسول الله ﷺ.
وعدم الاكتفاء بما كتباه وقت نزول الوحي.
وعدم الاكتفاء بما حفظاه.
_________________
(١) ١أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص١٠. ٢المرشد الوجيز ص٥٩ – ٦٠.
[ ٣٨ ]
والطلب من الصحابة الآخرين بما حفظوه وكتبوه على أن لا يقبل هذا المكتوب إلاّ أن يأتي صاحبه بشاهدَيْ عدل يشهدان على كتابته بين يدي الرسول ﷺ، ويطابق ما هو محفوظ في صدورهم.
[ ٣٩ ]