اعتنت الأمة الإسلامية بهذه المصاحف العثمانية فاتخذتها أصولًا يؤخذ منها، وأئمة يقتدى بها في كتابة المصاحف جيلًا بعد جيل.
أما عن هذه المصاحف بذاتها فقد ذكر بعض الرحالة والمؤرخين عن رؤيتهم لبعض منها.
[ ٥٢ ]
فيحدثنا ابن جبير المتوفى سنة ٦١٤هـ في رحلته إلى الشام عندما زار جامع دمشق حيث ذكر أنه رأى في الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان، وهو الذي أرسله إلى الشام١.
كما أشار ابن بطوطة المتوفى سنة ٧٧٩هـ إلى رؤيته له في رحلته إلى الشام٢.
كما رأى النسخة نفسها ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤هـ حيث قال: "وأما المصاحف العثمانية الأئمة، فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق – عند الركن، شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله – وقد كان قديمًا في "طبريَّة"، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثمان عشرة وخمسمائة ٥١٨هـ، وقد رأيته كتابًا عزيزًا جليلًا عظيمًا ضخمًا، بخط حسن مبين، قوي، بحبر محكم، في رق أظنه من جلود الإبل، والله أعلم"٣
واستمر هذا المصحف محفوظًا في الجامع الأموي إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري، ثم فقد هذا المصحف:
فبعضهم يرى أنه احترق عندما احترق الجامع الأموي. يقول محمد كرد علي في حديثه عن الجامع الأموي: "حتى إذا كانت سنة ١٣١٠هـ سرت النار إلى جذوع سقفه، فالتهمتها في أقل من ثلاث ساعات، فدثر آخر ما بقي من آثاره ورياشه، وحرق فيه مصحف كبير بالخط الكوفي، كان جيء
_________________
(١) ١رحلة ابن جبير ص ٢٤٢. ٢رحلة ابن بطوطة ج١ – ص٥٤. ٣فضائل القرآن لابن كثير من تفسير القرآن العظيم ج١ – ص٣٤.
[ ٥٣ ]
به من مسجد عتيق في بصرى، وكان الناس يقولون: إنه المصحف العثماني١، وبعضهم يرى أنه نقل إلى إنجلترا٢
وفي مصر الآن مصاحف أثرية، يقال إنها مصاحف عثمانية – في المسجد الحسيني، ودار الكتب المصرية – ولكن يستبعد ذلك لوجود زركشة وزينة ونقوش فاصلة بين السور، وعلامات لبيان أعشار القرآن، ولا شك أن المصاحف العثمانية كانت خالية من كل هذا، ومن النقط والشكل٣٠
وعلى أي حال فإن فقد هذه المصاحف لا يقلل من ثقتنا بما تواتر واستفاض نقله من المصاحف، ثقة عن ثقة وإمامًا عن إمام، وسواء أوجدت هذه المصاحف أم لم توجد فإنا على يقين بسلامة القرآن الكريم من الزيادة أو النقصان٤.
وهكذا سجلت الأمة الإسلامية بحفظها القرآن الكريم في الصدور والسطور منذ نزول القرآن الكريم في عهد الرسول ﷺ، ثم بصنيع أبي بكر، ثم بصنيع عثمان بن عفان ﵃، مزية ليس لأمة غيرها، نقلوه عن الأصل المكتوب بين يدي رسول الله ﷺ، ومقابلة ذلك بما حفظوه في صدورهم، وبذلوا فيه كل عوامل الدقة والاستيثاق، فجاء كاملًا، محفوظًا، عزيزًا، تحقيقًا لقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) . وقوله ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت:٤١- ٤٢)
_________________
(١) ١خطط الشام لمحمد كرد علي ج٥ – ص٢٦٢. ٢انظر: مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح ص٨٨. ٣انظر: مناهل العرفان ج١ – ص٤٠٤. ٤انظر: مدخل إلى القرآن لدراز ص٤٠.
[ ٥٤ ]