ذكر أبو بكر بن أبي داود عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما استحر القتل بالقراء يومئذ فَرِقَ أبو بكر على القرآن أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه١.
ويبدو من هذا الأثر أن المكلف بجمع المصاحف في عهد أبي بكر اثنان، وهما: عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت.
غير أن جمهور العلماء على أن المكلف بالجمع هو زيد بن ثابت وحده، أما عمر ﵁ فلم يثبت أنه كان مكلفًا بالجمع، والأثر المذكور سابقًا منقطع، فلا يحتج به، وإن سُلّم فيكون المراد: الإشراف على الجمع، والنظر في الشهادة والكتابة.
وزيد هذا، هو:
ابن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، ولد في المدينة، ونشأ بمكة، وقتل أبوه وهو ابن ست سنين، وهاجر مع النبي ﷺ وهو ابن (١١) سنة، تعلم السريانية في سبعة عشر يومًا٢، وحفظ القرآن الكريم كله عن ظهر قلب في حياة الرسول ﷺ وكان من كتاب الوحي لرسول الله ﷺ مشهورًا بالصدق والأمانة، وتفقه في الدين حتى أصبح رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض على عهد عمر وعثمان وعلي ﵁، وكان يعد من
_________________
(١) ١ كتاب المصاحف: ١/١٦٨-١٦٩، إسناده منقطع، لأن عروة لم يلق أبا بكر. ٢ انظر: كتاب المصاحف لابن أبي داود: ١/١٥٦، ت: د/ محب الدين واعظ.
[ ١٨ ]
الراسخين في العلم، توفي سنة ٤٥هـ، ولما توفي رثاه حسان بن ثابت، وقال أبو هريرة: اليوم مات حبر هذه الأمة وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا١.
لقد اختاره أبو بكر ﵁ لهذه المهمة العظيمة والخطب الجسيم لما تفرس فيه من الأمانة ورجاحة العقل وقربه من الرسول ﷺ واعتماده ﷺ عليه.
يقول العلامة الزرقاني٢ في ذلك:
" اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن، ما لم يجتمع في غيره من الرجال، إذ كان من حفاظ القرآن، ومن كتاب الوحي لرسول الله ﷺ، وشهد العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياته ﷺ وكان فوق ذلك معروفًا بخصوبة عقله، وشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه، واستقامة دينه٣.
وقال: ويؤيد ورعه ودينه وأمانته قوله (فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن) ٤.
ويشهد بوفرة عقله تردده وتوقفه أول الأمر ومناقشته لأبي بكر حتى راجعه أبو بكر وأقنعه بوجه الصواب.
وينطق بدقة تحريه قوله:
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ: ١/٢٩، تهذيب التهذيب: ٣/٣٩٩، غاية النهاية:١/٢٩٦، الإصابة:١/٥٦١، طبقات ابن سعد:٢/٢٧٣، الأعلام:٣/٥٧. ٢ محمد بن عبد العظيم الزرقاني، علم بارز من أعلام الأزهر، تخرج بهاء ودرس فيها، وتأليفه: مناهل العرفان خير دليل على طول باعه، وعلوم مكانته في علوم القرآن، توفي بالقاهرة سنة:١٣٦٧هـ، الأعلام:٦/٢١٠. ٣ مناهل العرفان:١/٢٥٠، وراجع الفتح:٩/١٣، والمقنع: ١٢٤. ٤ البخاري، فضائل القرآن: ٤٦٠٣، الترمذي، التفسير: ٣٠٢٨، أحمد،مسند العشرة المبشرين بالجنة:٧٢، ومسند النصار:٢٠٦٥٧.
[ ١٩ ]
(فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال)
[ ٢٠ ]