استثقل زيد بن ثابت المهمة، إلا أنه حينما شرح الله له صدره باشر بها، وبدأ بجمع القرآن بوضع خطة أساسية للتنفيذ، اعتمادًا على مصدرين هامين، وهما:
(١) ما كتب أمام الرسول ﷺ وبإملاء منه، وكان زيد نفسه من كتاب الوحي.
(٢) ما كان محفوظًا لدى الصحابة، وكان هو من حفاظه في حياته ﷺ. وكان لا يقبل شيئًا من المكتوب، حتى يتيقن أنه:
أ-مما كتب بين يدي الرسول ﷺ، وذلك بشهادة شاهدين عدلين٢.
ب-وأنه مما ثبت في العرضة الأخيرة، ولم تنسخ تلاوته.
يدل على ذلك ما أخرجه ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شاهدان٣.
_________________
(١) ١ البخاري: فضائل القرآن: ٤٦٠٣. ٢ الإتقان: ١/٥٨. ٣ كتاب المصاحف:١/١٨١-١٨٢، وعنه السيوطي في الدرر المنثور: ٤/٣٣٢، وابن حجر في الفتح: ٩/١٥، وانظر فضائل القرآن لابن كثير (٢٧)، والإتقان: ١/١٦٦.
[ ٢٠ ]
كما يدل عليه ما أخرجه ابن أبي داود أيضًا، ولكن من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر وزيد:"اقعدا على باب المسجد، فمن جاء كما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه١".
قال الحافظ ابن حجر٢ (المراد بالشاهدين: الحفظ والكتابة) ٣.
وقد ذهب العلامة السخاوي٤ إلى أن المراد بشاهدين:
رجلان عدلان يشهدان على أنه كتب بين يدي رسول الله ﷺ، أو أنه من الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن٥.
وقال أبو شامة٦: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ، لا من مجرد الحفظ.
_________________
(١) ١ كتاب المصاحف ١/١٦٩، وانظر جمال القراء ١/٨٦، والفتح ٩/١٤، واللطائف ١/٥٦، وكنز العمال ٢/٥٧٣، والمرشد الوجيز: ٥٥. ٢ أحمد بن علي بن محمد، المعروف بابن حجر العسقلاني، فلسطيني الأصل، من أعلام الحديث والتاريخ، مولده ووفاته بالقاهرة، ولد سنة: ٧٧٣هـ، وتوفي سنة ٨٥٢هـ، كثير التصانيف، من أشهرها: فتح الباري شرح صحيح البخاري، نخبة الفكر، تهذيب التهذيب، وتقريبه، لسان الميزان، الإصابة، بلوغ المرام، (البدر الطالع: ١/٨٧، الأعلام:١/١٧٨-١٧٩) . ٣ الفتح:٩/١٤. ٤ علي بن محمد بن عبد الصمد، علم الدين أبو الحسن السخاوي، ولد في سخا بمصر سنة ٥٥٨هـ، أو ٥٥٩هـ، من أبرز تلامذة الإمام الشاطبي، وأول من شرح قصيدته باسم:فتح الوصيد في شرح القصيد، ومن مؤلفاته: جمال القراء، هداية المرتاب، الوسيلة إلى شرح العقيلة، توفي في دمشق سنة:٦٤٣هـ، (معرفة القراء الكبار: ٢/٦٣١، غاية النهاية: ١/٥٦٨، شذرات الذهب: ٥/٢٢٢، الأعلام:٤/٣٣٢) . ٥ انظر: جمال القراء: ١/٨٦. ٦ عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم أبو القاسم المقدسي الدمشقي، فلسطيني الأصل، المعروف بأبي شامة، لقب به لشامة كبيرة فوق حاجبه الأيسر، من أعلام القراء ومن أبرز تلامذة علم الدين السخاوي، ولد بدمشق سنة:٥٩٩هـ، من أشهر مؤلفاته: إبراز المعاني من حرز الأماني،المرشد الوجيز،قتل في: ٦٦٥هـ، المعرفة:٢/٦٧٣، الغاية:١/٣٦٥، الأعلام:٣/٢٩٩.
[ ٢١ ]
ولم يعتمد زيد على الحفظ وحده، ولذلك قال في الحديث الذي أوردناه عن البخاري سابقًا، إنه لم يجد آخر سورة براءة إلا مع أبي خزيمة، أي: لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري، مع أن زيدًا كان يحفظها، وكان كثير من الصحابة يحفظونها كذلك، ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة، زيادة في التوثق، ومبالغة في الاحتياط.
وعلى هذا الدستور الرشيد تم جمع القرآن في صحف بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وأجمعت الأمة على ذلك دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيد في التنفيذ، والصحابة في المعاونة والإقرار.
قال علي كرم الله وجه: " أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع بين اللوحين١".
وقد قوبلت تلك الصحف التي جمعها زيد بما تستحق من عناية فائقة، فحفظها أبو بكر عنده مدة حياته، ثم حفظها عمر بعده حتى شهادته، ثم حفظتها أم المؤمنين حفصة بنت عمر بعد وفاة والدها، حتى طلبها منها عثمان ﵁ ليستنسخ منها مصاحفه اعتمادًا عليها، ثم ردها إليها إيفاء بالعهد الذي أعطاها إياه، فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم٢ حينما ولي المدينة فأبت، ثم لما توفيت ﵂ سنة ٤٥هـ، حضر مروان جنازتها،
_________________
(١) ١ كتاب المصاحف:١/١٦٦، وانظر المصنف لابن أبي شيبة: ٦/١٦٨، والمسند لأحمد:١/٢٣٠، ٣٥٤. ٢ مروان بن الحكم بن أبي العاص،أو عبد الملك، خليفة أموي، إليه ينسب بنو مروان،ولد بمكة في ٢هـ، ونشأ بالطائف،وسكن المدينة، من خواص عثمان ﵁ وكاتب سر له، ولسببه جرى لعثمان ما جرى له، قاتل في وقعة الجمل قتالًا شديدًا، وشهد صفين مع معاوية، وتولى المدينة في أيامه، وأخرجه منها ابن الزبير فسكن الشام، وبها توفي في طاعون سنة:٦٥هـ، تهذيب التهذيب: ١٠/٩١، الأعلام:٧/٢٠٧.
[ ٢٢ ]
ثم طلب من أخيها عبد الله بن عمر ﵁ فبعث بها إليه فأخذها مروان وأمر بإحراقها ١.
يقول الإمام أبو عمرو الداني في جمع القرآن في العهد الصديقي:
وذاك بعد محنة وشدة جرت على الصحب من أهل الردة
واستشهد القرأة الأكابر يومئذ هناك والمشاهر
ووصل الأمر إلى الصديق فحمد الله على التوفيق
وقال عند ذلك الفاروق مقالة أيدها التوفيق
إني أرى القتل قد استحرا بحاملي القرآن واستمرا
وربما قد دار مثل ذاكا عليهم فعدموا بذاكا
فاستدرك الأمر وما قد كانا واعمل على أن تجمع القرآنا
وراجعَ الصديقَ غير مره فشرح الله لذاك صدره
فقال لابن ثابت إذ ذاكا إني لهذا الأمر قد أراكا
قد كنت بالغداة والعشي تكتب وحي الله للنبي
فأنت عندنا من السُّبَّاق فاجمع كتاب الله في الأوراق
ففعل الذي به قد أمره معتمدا على الذي قد ذكره
وجمع القرآن في الصحائف ولم يميز أحرف التخالف
بل رسم السبع من اللغات وكل ما صح من القرات
_________________
(١) ١ كتاب المصاحف:١/١٧٧، ١/١٧٩، وراجع جمال القراء: ١/٨٨، مناهل العرفان:١/٢٥٢، وانظر الفتح: ٩/١٦، ٢٠.
[ ٢٣ ]
فكانت الصحف في حياته عند أبي بكر إلى مماته
ثُمَّتَ عند عمر الفاروق حين انقضت خلافة الصديق
ثمت صارت بعدُ عند حفصه لما توفي كما في القصة١
مزايا هذه الصحف:
وامتازت هذه الصحف بميزات مهمة، منها:
أولًا: جمع فيها القرآن الكريم على أدق وجوه البحث والتحري، وأسلم أصول التثبت العلمي.
ثانيًا: اقتصر فيها على ما تنسخ تلاوته.
ثالثًا: ظفرت بإجماع الصحابة ﵃ عليها، وعلى تواتر ما فيها.
رابعًا: كان هذا الجمع شاملًا للأحرف السبعة التي بها نزل القرآن تيسيرا على الأمة الإسلامية٢.
أما ما ورد في بعض الروايات٣ بأن عليًا ﵁ أول من جمع القرآن بعد رسول الله ﷺ فهي – على وهنها وضعفها – تثبت أن عليًا أو بعض الصحابة كان قد كتب القرآن في مصحف، وهي مصاحف فردية، ليست لها تلك
_________________
(١) ١ المنبهة، الأبيات: ١٦٢ –١٧٨. ٢ راجع منجد المقرئين: ٢٢، ومناهل العرفان: ١/٢٥٤. ٣ كتاب المصاحف:١/١٨٠، وقال ابن أبي داود: لم يذكر المصحف أحد إلا أشعث، وهو لين الحديث، وإنما رووا: حتى أجمع القرآن، يعني أتم حفظه، فإنه يقال للذي يحفظ القرآن: قد جمع القرآن، وهو بذلك نفى أن يكون علي ﵁ قد جمع القرآن، وقد صرح ابن حجر بضعف هذه الرواية لانقطاع سندها، وعلى تقدير ثبوتها أولها بأن المراد بالجمع: حفظه في الصدر، على ما ذهب إليه مؤلف كتاب المصاحف، انظر الفتح: ٩/١٢-١٣، والإتقان: ١/١٦٤.
[ ٢٤ ]
الثقة ولم تنل حظها من الدقة والتحري، والجمع والترتيب، والاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، والمزايا التي ذكرناها سابقًا، ولم يحجر أبو بكر على أحد جمع وكتابة مصحف لنفسه، فكتابة القرآن أمر مسموح لجميع المسلمين، وكان الصحابة يكتبونه لأنفسهم، منهم أبي بن كعب١، وابن مسعود وغيرهما من الصحابة، وإذا كان بعض المصاحف قد سبق في الوجود على صحف أبي بكر فإن جمع أبي بكر هو الأول من نوعه على كل حال٢.
_________________
(١) ١ الإتقان: ١/٧٢. ٢ راجع مناهل العرفان: ١/٢٥٤ –٢٥٥.
[ ٢٥ ]