أرسل عثمان إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر، فبعثت إليه بالصحف التي جمع القرآن فيها على عهد أبي بكر ﵁، وتسلمت اللجنة هذه الصحف واعتبرتها المصدر الأساس في هذا الخطب الجلل، ثم أخذت في نسخها، حسب الدستور الذي وضعه لهم عثمان ﵁ حيث قال للقرشيين الثلاثة:
[ ٣٨ ]
(إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن١ فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم) ٢.
وفي الترمذي: (قال الزهري فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه فقال القرشيون التابوت٣ وقال زيدٌ التابوه فرُفعَ اختلافهم إلى عثمان فقال اكتبوه التابوت فإنه نزل بلسان قريش) ٤.
وكان ما ذكر من منهجهم أنهم كانوا لا يكتبون شيئًا في هذه المصاحف إلا بعد ما يتحققون منه أنه قرآن متلوّ، وغير منسوخ، وذلك بعرضه على حملته من قراء الصحابة، أما لو ثبت نسخ شيء من ذلك تركوه، وهو الذي يسمى اليوم: ب " القراءات الشاذة".
فكتبت اللجنة مصاحف متعددة، بالمنهج الآتي:
* جردوا المصاحف كلها من النقط والشكل من أولها إلى آخرها.
* وحدوا رسمها فيما يلي:
أ - الكلمات التي لا تقرأ إلا بوجه واحد، نحو ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٥) .
ب - الكلمات التي تقرأ بأكثر من وجه، وكتابتها برسم واحد توافق قراءتها بوجوه مختلفة، موافقة حقيقة وصريحة، ويساعد على ذلك
_________________
(١) ١ أي في كيفية كتابته ورسمه، كما يدل عليه لفظ: فاكتبوه. ٢ البخاري فضائل القرآن، برقم: ٤٦٠٤. ٣ سورة البقرة: ٢٤٨، سورة طه: ٣٩، أي في كتابتها بالتاء المجرورة أو المربوطة، ولا يذكر في التاريخ من اختلافهم إلا في هذه الكلمة الوحيدة. ٤ الترمذي، أبواب تفسير القرآن، رقم: ٣٠٢٩.
[ ٣٩ ]
تجردها من النقط والشكل، نحو: (يكذبون) ١ بالتخفيف، وبالتشديد، و(فتبينوا)، و(فتثبتوا) ٢، (وننشرها) ٣ بالزاي المنقوطة أو بالراء المهملة.
ج – الكلمات التي تقرأ بأكثر من وجه، وكتابتها برسم واحد توافق قراءتها بوجوه مختلفة، تقديرًا واحتمالًا نحو: (ملك) ٤ بحذف الألف وبإثباتها، حيث تحذف الألف وبإثباتها، حيث تحذف الألف من كلمات كثيرة اختصارًا لكثرة ورودها فيها، وهي لا تقرأ إلا بوجه واحد، نحو: (الله)، (الرحمن)، (العلمين) ٥.
في مثل الكلمات والأمثلة المذكورة أعلاه كان رسمها واحدًا دون اختلاف.
؟ أما الكلمات التي لا يدل رسمها على أكثر من قراءة فإنهم كانوا يرسمونها في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة، وفي بعض آخر برسم آخر يدل على قراءة ثانية، كقراءة (وَصَّى) بالتضعيف و(أوصى) بالهمز٦، وكذلك قراءة ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ (التوبة:١٠٠) ٧، بحذف لفظ: (من) قبل (تحتها)، أو بزيادتها.
_________________
(١) ١ سورة البقرة:١٠، قرأ الكوفيون (عاصم وحمزة والكسائي وخلف) بالتخفيف، الباقون بالتشديد، النشر:٢/٢٠٧-٢٠٨، الإتحاف:١/٣٧٨. ٢ النساء: ٩٤ موضعان، الحجرات: قرأ حمزة والكسائي وخلف (فَتَثَبتُوا) والباقون (فَتبَيَّنوا)، النشر:٢/٢٥١، الإتحاف:١/٥١٨. ٣ البقرة:٢٥٩، قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف بالزاي، والباقون بالراء،النشر:٢/٢٣١، الإتحاف:١/٤٤٩. ٤ الفاتحة: قرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بإثبات الألف، والباقون بحذفها، النشر:١/٢٧١،الإتحاف:١/٣٦٣. ٥ راجع أمثلة الحذف والإثبات في المقنع: ١٠ وما بعدها. ٦ البقرة: ١٣٢، قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر (أوصى)، والباقون (وصّى)، النشر: ٢/٢٢٢-٢٢٣، الإتحاف:٢/٤١٨. ٧ قرأ ابن كثير بزيادة (من) وكسر التاء من (تحتِها)، وهي كذلك في المصاحف المكية، والباقون بحذفها وفتح تاء (تحتَها)، النشر: ٢/٢٨٠، الإتحاف:٢/٩٧.
[ ٤٠ ]
يقول العلامة الزرقاني:
" والذي دعا الصحابة إلى انتهاج هذه الخطة في رسم المصاحف وكتابتها أنهم تلقوا القرآن عن رسول الله ﷺ بجميع وجوه قراءاته، وبكافة حروفه التي نزل عليها، فكانت هذه الطريقة أدنى إلى الإحاطة بالقرآن على وجوهه كلها، حتى لا يقال: إنهم أسقطوا شيئًا من قراءاته، أو منعوا أحدًا من القراءة بأي حرف شاء على حين أنها كلها منقولة نقلًا متواترًا عن النبي ﷺ، ورسول الله ﷺ يقول: " فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا" ١.
مصير المصاحف والصحف المخالفة للمصاحف العثمانية:
بعد أن تم نسخ المصاحف العثمانية بالكيفية التي أوضحنا ها سابقًا، أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ بإرسالها إلى الأقطار الإسلامية الشهيرة، وأرسل مع كل مصحف مقرئًا من الذين توافق قراءته في أغلبه قراءة أهل ذلك القطر، وذلك لأن التلقي أساس في قراءة القرآن، وأمر أن يحرق كل ما عداها من الصحف أو المصاحف الشخصية الموجودة لدى الصحابة مما تخالفها، ليستأصل بذلك سبب الخلاف والنزاع بين المسلمين في قراءة كتاب الله، فاستجاب لذلك الصحابة ﵁، فجمعت المصاحف والصحف وحرقت أو غسلت بالماء٢.
_________________
(١) ١ راجع مناهل العرفان: ١/٢٥٩. ٢ انظر مناهل العرفان: ١/٢٦١.
[ ٤١ ]
ففي صحيح البخاري: "حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحفِ ردّ عثمانُ الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق" ١.
واجتمعوا جميعًا على المصاحف العثمانية، حتى عبد الله بن مسعود الذي نقل عنه أنه أنكر أولًا مصاحف عثمان، وأنه أبى أن يحرق مصحفه، رجع وعاد إلى حظيرة الجماعة، حين ظهر له مزايا تلك المصاحف العثمانية، واجتماع الأمة عليها، وتوحيد الكلمة بها٢.
مزايا المصاحف العثمانية:
* الاقتصار على ما ثبت بالتواتر، دون ما كانت روايته آحادًا.
* إهمال ما نسخت تلاوته ولم يستقر في العرضة الأخيرة.
* ترتيب السور على الوجه المعروف الآن، بخلاف صحف أبي بكر ﵁ فقد كانت مرتبة الآيات دون السور.
* كتابتها بطريقة تجمع وجوه القراءات المختلفة والأحرف التي نزل عليها القرآن بعدم إعجامها وشكلها، ومن توزيع وجوه القراءات على المصاحف إذا لم يحتملها الرسم الواحد.
* تجريدها من كل ما ليس قرآنًا كالذي كان يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة شرحًا لمعنى، أو بيانًا لناسخ ومنسوخ، أو نحو ذلك.
_________________
(١) ١ البخاري، فضائل القرآن، رقم: ٤٦٠٤. ٢ مناهل العرفان: ١/٢٦١.
[ ٤٢ ]