أ-ذهب الجمهور إلى أن الرسم العثماني توقيفي، يجب على الأمة إتباعه، ولا تجوز مخالفته.
واستدلوا على ذلك بأمور متعددة:
(١) أن كتاب الوحي كتبوا القرآن الكريم بهذا الرسم أمام الرسول ﷺ وقد أقرهم على ما كتبوه.
(٢) كتب القرآن الكريم بالرسم نفسه في العهد الصديقي، ثم في العهد العثماني، وأجمع الصحابة عليه، ولم يخالف في ذلك أحد منهم، وإجماعهم واجب الإتباع.
(٣) اتبعت الأمة هذا الرسم،وقلدته في كتابة المصاحف، واستمر العمل عليه في عصور التابعين والأئمة المجتهدين، ولم ير من يعتد بقوله مخالفًا له، وفي ذلك نصوص كثيرة لعلماء الأمة من الأئمة الأربعة وغيرهم١، بل نقل البعض إجماع الأئمة الأربعة على ذلك٢، ومن ثم جعل القراء موافقة الرسم العثماني أحد أركان قبول القراءة٣.
ب-ذهب البعض إلى أن الرسم غير توقيفي، ولا تجب موافقته، بل تجب كتابة المصاحف بالرسم الإملائي حسب ما تقتضيه قواعد أهل صناعة الخط.
_________________
(١) ١ راجع المقنع للداني:٩-١٠، البرهان:١/٣٧٩، الإتقان: ٢/١١٦٣. ٢ انظر: مقال د/ محمود سيبويه، ص:٣٤٥. ٣ انظر: مناهل العرفان: ١/٣٧٩-٣٨٠.
[ ٤٤ ]
واحتجوا بأن كتاب المصاحف من الصحابة كانوا غير مجيدين للخط، فوقعوا في أخطاء في الكتابة، ولا يجب علينا إتباعهم في ذلك لأن رسمهم قد يوقع الناس في الخلط والالتباس والحيرة ولا يمكنهم من القراءة الصحيحة، كما أنه لم يرد دليل شرعي يوجب كتابة المصحف برسم معين١.
ج- ذهب بعض المتأخرين والمعاصرين إلى التوسط بين الأمرين، فقالوا بوجوب كتابة المصاحف بالرسم الإملائي لعامة الناس، وبالرسم العثماني للخواص من أهل العلم٢.
ملاحظة:
مما مر بنا من أدلة مذهب الجمهور تظهر قوة قولهم وترجيحه، ولكن يجب علينا أن نفرق في هذا المقام بين كون الرسم توقيفيًا، وبين وجوب الالتزام بالرسم العثماني.
فالأدلة التي ذكرت في قول الجمهور لا يصرح شيء منها بكون الرسم توقيفيًا، لعدم وجود دليل صريح من الكتاب أو السنة على ذلك.
أما وجوب الالتزام بالرسم العثماني، فنعم، وأقوى دليل عليه، هو إجماع الصحابة –أولًا-، ثم إجماع الأمة الإسلامية منذ العصور المتقدمة.
كما أنه ينبغي أن يفرق هنا بين الالتزام بالرسم العثماني لكتابة المصاحف الأمهات، وبين كتابة الآيات القرآنية في غير المصاحف.
فبالنسبة لكتابة المصاحف الأمهات: فأرجح في ذلك قول الجمهور.
_________________
(١) ١ ذهب إليه ابن خلدون في مقدمة تاريخه:٤١٩، وأيده الباقلاني في الانتصار، وانظر للرد عليه: رسم المصحف لغانم قدوري الحمد:٢١٠. ٢ جنح إليه العلامة الزركشي في البرهان:١/٣٧٩، وشيخ الإسلام العز بن عبد السلام، راجع مناهل العرفان:١/٣٨٥، وصفحات في علوم القراءات:١٧٦-١٨٣.
[ ٤٥ ]
أما بالنسبة لكتابة الآيات القرآنية المفرقة في غير المصاحف – كالاستشهاد بآية أو بجزء منها في مؤلف أو في رسالة علمية أو في الأجزاء المفرقة التي تطبع لتعليم الناشئة- فينبغي فيها الالتزام بالرسم العثماني، وهو الأحوط للخروج عن الخلاف، ولكن لم يتضح لي وجوب الالتزام بالرسم العثماني فيها١.
_________________
(١) ١ راجع لمزيد من التفصيل في الموضوع مقالنا بعنوان: مسألة الالتزام بالرسم العثماني..نشر في مجلة الدراسات الإسلامية بإسلام آباد باكستان، ع:٤،م:٢٩:١٤١٥هـ.
[ ٤٦ ]