في هذه الجولة السريعة الممتعة في أجواء القرآن، وعهود الخلفاء الراشدين وعموم الصحابة ﵁، وما قاموا به من بذل جهود جبارة في خدمة كلام الله تعالى وكتابه المبين – دستور الأمة المحمدية على مدى الدهور والأزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها – جمعًا وكتابةً، وتنظيمًا وترتيبًا، وتوثيقًا، وتوزيعًا، وما أثمرت تلك الجهود من نتائج وفوائد نستخلص ما يلي:
(١) الدلالة على مدى اهتمام الصحابة – بعد حياة الرسول الأكرم (بأبي هو أمي، صلوات الله وسلامه عليه) – بحفظ النص القرآني المنزل من الله عزوجل وشغفهم به، وحبهم له وتفانيهم فيه.
(٢) الدلالة على حرص الخلفاء الراشدين على توجيه كلمة المسلمين ولمِّ شملهم، وجمع كلمتهم، ومحاولة إبعادهم عن أمراض الفرقة والفساد والشقاق والنزاع.
(٣) الدلالة على مدى اهتمامهم للأخذ بمبدأ الشورى في الأمور ذات الشأن في الشريعة الإسلامية.
(٤) الدلالة على حب بعضهم لبعض، والأخذ بالقول الحق، حتى ولو خالف مشاعره وآراءه مادام فيه مصلحة للإسلام والمسلمين.
كما كان من فوائد الجمع القرآني: وبا
(٥) جمع الأمة واتحادها على قرآن واحد ومصحف معتمد.
(٦) زوال الخوف والوجل على ضياع القرآن وذهابه بذهاب حملته وحفاظه.
(٧) التأكد من النص المنزل المتبقي غير المنسوخ.
(٨) حفظ وجوه مختلفة ومتعددة لتلاوة القرآن الكريم، وأحرفه التي نزل بها تيسيرًا على الأمة ورفع المشقة والحرج عنها في أمر القراءة.
هذا بعض ما تراءى لي من فوائد ونتائج جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين، ولا أدعي حصرها فيها، ولا صحتها من كل الوجوه، لتأكيد تكون هناك نتائج وفوائد أخرى أهم مما ذكرته غابت عن قلبي وخفيت على بالي، ولعل الله أن يقيض لها من يعنى بإبرازها، ويكشف عنها الستار.
[ ٤٤ ]
اقتراح وتوصية:
الاهتمام بتلك الوجوه المتعددة المختلفة لقراءة القرآن الكريم الثابتة بالتواتر من لدن الرسول ﷺ إلى عصرنا هذا دون أدنى شك أو ريبة فيها، وهي ما عرفت بالقراءات، حيث لا يجوز - بإجماع الأمة- قراءة شيء من كتاب الله إلا برواية من رواياتها، وقد قلّ وندر في هذا العصر رجالاتها والمعنون بها، فإلى الله المشتكى.
فلا تقل العناية بها أهمية من العناية بالنص المكتوب، حيث لا اعتبار لدى الأمة للمكتوب دون تلقيه بالمشافهة، كما لا اعتبار للمحفوظ إلا بشرط موافقته للمرسوم.
وأخيرًا لا يسعني إلا أن أتقدم ببالغ الشكر والتقدير إلى منظمي الندوة المتعلقة بعناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه لتوجيههم دعوة المشاركة إليّ فيها ببحث يتعلق بجانب من جوانب خدمة القرآن الكريم وعناية المسلمين به، فلهم جميعًا شكري وتقديري مكررًا، وخالص دعواتي لقبول أعمالنا جميعًا وتحليتها بالإخلاص لله والنصح لكتابه وللأمة جمعاء.
هذا، وصلى الله وسلم على إمام المرسلين وقائد الغر الميامين وعلى آله وصحبه وعترته وأمته إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٤٥ ]