لقد اتفق العلماء قديمًا وحديثًا على أن الصحف التي جمعت في عهد أبي بكر ﵁ كانت مشتملة على الأحرف السبعة، كما اتفقوا على أن زيد بن ثابت ﵁ لم يجمع في تلك الصحف إلا ما تأكد من صحته وعدم نسخ تلاوته.
أما بالنسبة للمصاحف العثمانية، وكونها مشتملة على الأحرف السبعة أم لا؟ فقد اختلف العلماء في المسألة، وذهبوا فيها إلى ثلاثة أقوال:
أ- ذهب البعض إلى أنها لا تشتمل إلا على حرف قريش واستدلوا على ذلك بقول عثمان ﵁ للقرشيين الثلاثة: "إذا اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم"١.
واحتجوا: بأن الأحرف السبعة نزلت في صدر الإسلام للتيسير على الأمة ورفع الحرج والمشقة عنها في أمر القراءة، ولما ذللت الألسنة ومرنت على لغة قريش أمرت جميع القبائل بالقراءة بلغة قريش، كما أن القراءة باللغات الكثيرة كانت مثار نزاع وخلاف بين المسلمين، لذلك اقتصر عثمان ﵁ على.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه، وممن ذهب إلى ذلك: ابن جرير الطبري، والطحاوي وغيرهما انظر: منجد المقرئين: ٥٥.
[ ٤١ ]
لغة واحدة، وهي لغة قريش، أما القراءات الموجودة اليوم – على كثرتها وتعددها – فهي كلها تمثل حرفًا واحدًا فقط١.
أ - وذهب جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أنها كانت مشتمة على جميع الأحرف السبعة.
واحتجوا: بأنه لا يجوز للأمة إهمال شيء من الأحرف لكونها منزلة قرآنًا، وبأن المصاحف العثمانية نقلت من الصحف التي جمعها أبو بكر وعمر، وكانت مشتملة على الأحرف السبعة، أما عثمان ﵁ فأراد استنقاذ القرآن من فشو اللحن فيه، فجمعهم على القراءات الثابتة عن الرسول ﵁ وأمرهم بترك ما سواها٢.
ج- وذهب الجمهور إلى أن المصاحف العثمانية في مجموعها تشتمل على ما ثبت في العرضة الأخيرة من الأحرف السبعة، فليس كل مصحف بمفرده يشتمل على جميع الأحرف السبعة، بل الثابت منها منتشر في المصاحف العثمانية كلها٣.
واحتجوا:
بأن المصاحف العثمانية ثم نسخها من الصحف الصديقية، وقد أجمع الصحابة على ما فيها من الأحرف السبعة.
وبأنه لم يرد خبر صحيح ولا ضعيف عن عثمان بأنه أمر بإلغاء بقية الأحرف.
وبأن الخلافات الموجودة في المصاحف العثمانية دليل قاطع على وجود الأحرف السبعة فيها، فلو كانت المصاحف مكتوبة بلغة واحدة وبحرف واحد فقط لما كان فيها وجود هذا الخلاف.
وبأن وجود كثير من الكلمات القرآنية في المصاحف العثمانية على غير لغة قريش دليل على أن المصاحف لم يقتصر في كتابتها على لغة قريش فقط.
_________________
(١) ١ قال الدكتور/ محمد أبو شهبة: وهو مذهب المحققين، المدخل لدراسة القرآن الكريم، ص: ٢١٦، وراجع مباحث في علوم القرآن لمناع القطان، ص:١٦٦-١٦٧. ٢ انظر: النشر: ١/٣١-٣٢، الإتقان: ١/١٥٧. ٣ النشر: ١/٣١.
[ ٤٢ ]
قال العلامة ابن الجزري: وهذا القول هو الذي يظهر صوابه، لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له١.
_________________
(١) ١ المرجع السابق، وراجع لمزيد من التفصيل: مناهل العرفان:١/١٦٩، وكتابنا صفحات في علوم القراءات، ص:١٢٢-١٢٦.
[ ٤٣ ]
الخاتمة في أهم نتائج البحث والدراسة:
في هذه الجولة السريعة الممتعة في أجواء القرآن، وعهود الخلفاء الراشدين وعموم الصحابة ﵁، وما قاموا به من بذل جهود جبارة في خدمة كلام الله تعالى وكتابه المبين – دستور الأمة المحمدية على مدى الدهور والأزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها – جمعًا وكتابةً، وتنظيمًا وترتيبًا، وتوثيقًا، وتوزيعًا، وما أثمرت تلك الجهود من نتائج وفوائد نستخلص ما يلي:
(١) الدلالة على مدى اهتمام الصحابة – بعد حياة الرسول الأكرم (بأبي هو أمي، صلوات الله وسلامه عليه) – بحفظ النص القرآني المنزل من الله عزوجل وشغفهم به، وحبهم له وتفانيهم فيه.
(٢) الدلالة على حرص الخلفاء الراشدين على توجيه كلمة المسلمين ولمِّ شملهم، وجمع كلمتهم، ومحاولة إبعادهم عن أمراض الفرقة والفساد والشقاق والنزاع.
(٣) الدلالة على مدى اهتمامهم للأخذ بمبدأ الشورى في الأمور ذات الشأن في الشريعة الإسلامية.
(٤) الدلالة على حب بعضهم لبعض، والأخذ بالقول الحق، حتى ولو خالف مشاعره وآراءه مادام فيه مصلحة للإسلام والمسلمين.
كما كان من فوائد الجمع القرآني: وبا
(٥) جمع الأمة واتحادها على قرآن واحد ومصحف معتمد.
(٦) زوال الخوف والوجل على ضياع القرآن وذهابه بذهاب حملته وحفاظه.
(٧) التأكد من النص المنزل المتبقي غير المنسوخ.
(٨) حفظ وجوه مختلفة ومتعددة لتلاوة القرآن الكريم، وأحرفه التي نزل بها تيسيرًا على الأمة ورفع المشقة والحرج عنها في أمر القراءة.
هذا بعض ما تراءى لي من فوائد ونتائج جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين، ولا أدعي حصرها فيها، ولا صحتها من كل الوجوه، لتأكيد تكون هناك نتائج وفوائد أخرى أهم مما ذكرته غابت عن قلبي وخفيت على بالي، ولعل الله أن يقيض لها من يعنى بإبرازها، ويكشف عنها الستار.
[ ٤٤ ]