الباعث الأساس في جمع القرآن في عهد عثمان ﵁ هو: استدراك اختلاف القراء في وجوه قراءة القرآن الكريم وتخطئه بعضهم البعض، بل وصل الأمر – أحيانًا – إلى تكفير بعضهم البعض، فأراد ﵁ جمع الأمة على مصحف موحد مجمع عليه.
روى الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: عن ابن شهاب أن أنس بن مالكٍ حدَّثه أنّ حذيفة بن اليمان١ قدِمَ على عثمانَ وكانَ يغازي أهلَ الشام في فتح إِرْمينية٢ وأذربيجان٣ مع أهل العراقِ فأفزَعَ
١ هو حذيفة بن حِسل بن جابر العبسي، أبو عبد الله، صحابي من الولاة الشجعان الفاتحين، صاحب سر النبي ﷺ في المنافقين، لم يعلمهم أحد غيره، ولاه عمر على المدائن بفارس، وهاجم نهاوند سنة:٢٢هـ، وفتح الدينور وسندان وهمذان والري عنوةً، توفي في المدائن سنة ٣٦هـ، تهذيب التهذيب ٢/٢١٩، غاية النهاية: ١/٢٠٣، وفيه: توفي بعد عثمان بأربعين يومًا، الأعلام:٢/١٧١.
٢ اسم لصُقع عظيم في جهة الشمال.. قيل هما أرمينيتان، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقد أطال الحموي في وصفها، وكانت هي بأيدي الروم حتى جاء الإسلام، انظر معجم البلدان: ١/١٥٩-١٦١.
٣ ذكر الحموي في ضبطها أربعة أقوال: أذَرَبيجان،أذَرْبيجان، آذرْبيجَان،وآذرِبيجَان، معناها: بيت النار بالفارسية، أو خازن النار، إقليم وساع، وصُقْع جليل، وملكة عظيمة، من مدنها: تبريز، الغالب عليها الجبال، ذات قلاع كثيرة، وخيرات واسعة، وفواكه جمة، وبساتين كثيرة ومياه وافرة وعيون حارية، فتحت أيام عمر بن الخطاب فولى عليها الحذيفة بن اليمان، ثم عزله وولى عليها عتبة بن فرقد، ثم لما عزل عثمان بن عفان عتبة بن فرقد نقضوا، فغزاهم الوليد بن عقبة سنة خمس وعشرين،ثم صالح أهلها على صلح حذيفة، انظر: معجم البلدان للحموي:١/١٢٨-١٢٩.
[ ٢٧ ]
حُذيفةَ اختلافُهم في القراءةِ فقالَ حُذيفة لعثمانَ: يا أميرَ المؤمنينَ أدركْ هذه الأمّةَ قبلَ أن يختلِفُوا في الكتابِ اختلافَ اليهودِ والنصارى فأرْسَلَ عثمانُ إلى حفصةَ أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخُها في المصاحفِ ثم نردُّها إليكِ فأرسلتْ بها حفصَةُ إلى عثمانَ فأمَرَ زيدَ بن ثابت وعبد الله بن الزبيرِ وسعيدَ بن العاصِ وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف١.
وأخرج ابن أبي داود٢ من طريق أبي قلابة أنه قال:
(لما كانت خلافة عثمان، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يتلقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، قال أيوب: لا أعلمه إلا قال: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبًا فقال: أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوه للناس إمامًا٣.
وأخرج ابن أبي داود من طريق سويد بن غفلة الجعفي قول علي ﵁.
(يا أيها الناس: لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرًا.. فو الله ما فعل الذي فعل المصاحف إلا من ملأ منا جميعًا، فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون.
_________________
(١) ١ البخاري، فضائل القرآن، رقم: ٤٦٠٤، الترمذي، أبواب تفسير القرآن، برقم: ٣٠٢٩، وانظر كتاب المصاحف: ١/٢٠٤، والفتح:٩/١١، والمقنع:٤. ٢ عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، أبوبكر، من كبار المحدثين والمقرئين، صاحب كتاب المصاحف، ولد في سجستان (من بلاد أفغانستان الحالية) ٢٣٠هـ، وتوفي سنة ٣١٦هـ، الغاية: ١/٤٢٠، ميزان الاعتدال:٢/٤٣، الأعلام:٤/٩١. ٣ كتاب المصاحف: ١/٢١١-٢١٢، والأثر مما انفرد به المؤلف بتخريجه، وله شاهدان لديه، وإسناده هنا منقطع لإرسال أبي قلابة حيث لم يصرح هنا بمن حدثه عنه.
[ ٢٨ ]
أخبره حذيفةٌ بالشانحتى بدت بينهم العداوةلهذه الأسباب والأحداث، رأى عثمان بثاقب رأيه، وصادق نظره، أن يتدارك الأمر، فجمع أعلام الصحابة وذوي البصر منهم، وأجال الرأي بينه وبينهم في علاج هذه الفتنة، فأجمعوا أمرهم على استنساخ مصاحف لإرسالها إلى الأمصار، فيؤمر الناس باعتمادها، والتزام القراءة بما يوافقها، وبإحراق كل ما عداها، وتعتبر تلك المصاحف العثمانية الرسمية الأساس والمرجع المعتمد لحسم الخلاف وقطع النزاع والمراء١.
وقد نظم ذلك الإمام أبو عمرو الداني (﵀) فقال:
وولي الناسَ الرضا عثمانُ وبايع الكل له ودانوا
فحضهم معا على الجهاد فحضهم معا على الجهاد
فانبعث القوم على ميعاد وقصدوا مصححين النية
نحو أذربيجان وأرمينيه فاجتمع الشامي والعراقي
فقابلوا قراتهم بالنقض واختلفوا في أحرف التلاوة
وقال هذا الأمر فأدركه فهو معضل فلا تتركه
فجمع الإمام من في الدار من المهاجرين والأنصار
في مصحف بصورة لا تختلف أدخله ما بين دفتين
_________________
(١) ١ راجع الإتقان:١/١٨٧، وما بعدها، ومناهل العرفان:١/٢٥٥-٢٥٧.
[ ٢٩ ]