إنه توقيفي لا تجوز مخالفته، وذلك مذهب الجمهور «٦». واستدلوا بأدلة منها:
_________________
(١) ينظر: دروس في علوم القرآن، د. غانم قدوري: ٩١.
(٢) المحكم للداني: ١٠؛ والإتقان للسيوطي: ٤/ ١٦٠؛ وينظر: محاضرات في علوم القرآن: د. غانم قدوري: ٨٨.
(٣) دروس في علوم القرآن، د. غانم قدوري: ٩١.
(٤) ينظر: رسم المصحف- دراسة لغوية وتاريخية، د. غانم قدوري: ١٩٧؛ ومباحث في علوم القرآن، د. مناع القطان: ١٤٦.
(٥) ينظر: الجمع الصوتي الأول للقرآن، د. لبيب السعيد: ٢٩٦.
(٦) ينظر: مناهل العرفان للزرقاني: ١/ ٣٧٧.
[ ٧٠ ]
١ - أن النبي ﷺ كان له كتاب يكتبون الوحي وقد كتبوا القرآن فعلا بهذا الرسم وأقرهم الرسول على كتابتهم، ومضى عهده ﷺ والقرآن على هذه الكتابة لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل، بل ورد أنه ﷺ كان يضع الدستور لكتاب الوحي في رسم القرآن وكتابته، ومن ذلك قوله ﷺ لمعاوية ﵁ وهو من كتبة الوحي: (ألق الدواة وحرف القلم وانصب الباء وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك) «١».
وكما يقول صاحب كتاب (إتحاف فضلاء البشر): لم يكن ذلك من الصحابة كيف اتفق، بل عن أمر- عندهم- قد تحقق، وكأن النبي ﷺ قد أقر هذا الرسم «٢».
(والذي نعتقده في هذا الشأن هو أن الله الذي أكد حفظه لكتابه إذ يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) «٣»، لم يكن ليدع الخطأ يقع في كتابه، أصل شريعته، وعماد دينه، ولا يلهم نبيه تصحيحه) «٤».
٢ - إن كتابة القرآن الكريم على الهيئة المعروفة حاليا هو (لأسرار لا تهتدي إليها العقول وهو سر من الأسرار خصها الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية، فلا يوجد شيء من هذا الرسم في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في غيرها من الكتب السماوية) «٥».
_________________
(١) ينظر: مناهل العرفان: ١/ ٣٧٧.
(٢) ينظر: الجمع الصوتي الأول للقرآن: ٢٩٦؛ وينظر: مناهل العرفان للزرقاني: ١/ ٣٧٧.
(٣) سورة الحجر، الآية (٩).
(٤) الجمع الصوتي الأول للقرآن: ٢٩٦؛ وينظر: مباحث في علوم القرآن، د. مناع القطان: ١٤٦.
(٥) الجمع الصوتي الأول للقرآن: ٢٩٦.
[ ٧١ ]
(وكما أن نظم القرآن معجز، فرسمه معجز، وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في (مائة) «١» دون (فئة) «٢»، وإلى سر زيادة الياء في (بأييد) «٣»، و(بأييكم)
«٤»
؟ أم كيف تتوصل إلى سر زيادة الألف في (سعوا) ب (الحج) «٥»، ونقصانها من (سعو) ب (سبأ) «٦»، وأم كيف تبلغ العقول إلى درجة حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض؟ .. إلخ) «٧».
ونقل العلامة ابن المبارك عن شيخه عبد العزيز الدباغ، إذ يقول في كتابه الإبريز: (رسم القرآن من أسرار الله المشاهدة وكمال الرفعة، قال ابن المبارك:
فقلت له: هل رسم الواو بدل الألف نحو (الصلاة، والزكاة، والحياة، ومشكاة) وزيادة الواو في (سأوريكم، وأولئك، ..) وكالياء في نحو (هديهم، وبأييكم) فقال:
هذا كله صادر من النبي ﷺ وهو الذي أمر الكتاب من الصحابة أن يكتبوه على هذه الهيئة فما نقصوا ولا زادوا على ما سمعوه من النبي ﷺ. وقال أيضا الشيخ عبد العزيز الدباغ: (ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي ﷺ وهو الذي أمرهم أن يكتبوه وعلى الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصها لأسرار لا تهتدي إليها العقول ..) «٨».
ثم جاء أبو بكر فكتب القرآن بهذا الرسم في صحف، وبإشراك الصحابة
_________________
(١) سورة الأنفال، من الآيتين (٦٥، ٦٦).
(٢) سورة البقرة، من الآية (٢٤٩).
(٣) سورة الذاريات، من الآية (٤٧).
(٤) سورة القلم، من الآية (٦).
(٥) سورة الحج، من الآية (٥١).
(٦) سورة سبأ، من الآية (٥).
(٧) ينظر: الجمع الصوتي الأول للقرآن: ٢٩٧.
(٨) المصدر نفسه: ٢٩٧؛ وينظر: مناهل العرفان: ١/ ٣٨٢؛ ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان: ١٤٦.
[ ٧٢ ]
ورضاهم، ولم يخالفها أحد منهم ثم حذا حذوه عثمان في خلافته، فاستنسخ تلك الصحف في مصاحف على تلك الكتبة وعلى ملأ من الصحابة، وأقر أصحاب النبي عمل أبي بكر وعثمان ﵃ أجمعين، وانتهى الأمر بعد ذلك إلى التابعين وتابعي التابعين، فلم يخالف أحد منهم في هذا الرسم، ولم ينقل أن أحد منهم فكر أن يستبدل به رسما آخر من الرسوم التي حدثت في عهد ازدهار التأليف ونشاط التدوين، بل بقي الرسم العثماني محترما متبعا في كتابة المصاحف لا يمس استقلاله ولا يباح حماه «١».
وما دام قد انعقد الإجماع على تلك الرسوم فلا يجوز العدول عنها إلى غيرها إذ لا يجوز خرق الإجماع بوجه «٢». (والإجماع حجة. حسبما تقرر الأحوال، ومحال في حق الصحابة ﵃ أن يخالفوا ما أقره النبي ﷺ ويتصرفوا في القرآن بأي زيادة أو نقصان ) «٣»، ويقول الزرقاني في المناهل:
(وانعقاد الإجماع على تلك المصطلحات في رسم المصحف دليل على أنه لا يجوز العدول عنها إلى غيرها) «٤».