إن رسم المصحف اصطلاحي، وليس توقيفيا عن النبي ﷺ، بل ارتضاه عثمان ﵁ وتلقته الأمة بالقبول، فيجب الالتزام به والأخذ به، ولا تجوز مخالفته. وقد اصطلح الكتبة في عهد عثمان ﵁ هذا الرسم بعد أن جعل لهم ضابطا لذلك بقوله للرهط القريشيين الثلاثة: (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في
_________________
(١) ينظر: مناهل العرفان: ١/ ٣٧٧؛ والجمع الصوتي الأول للقرآن: ٢٩٧.
(٢) الجمع الصوتي الأول للقرآن: ٢٩٧.
(٣) المصدر نفسه: ٢٩٧.
(٤) مناهل العرفان: ١/ ٣٧٨.
[ ٧٣ ]
شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم) «١».
فأمر عثمان ﵁ زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام باستنساخ المصاحف، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة بعد أن طلبها منها ووعدها أن يردها إليها بعد أن يستنسخها «٢».
وحين اختلفوا في كتابة (التابوة) وقال النفر القريشيون: (التابوت) وترافعوا إلى عثمان ﵁ قال: (اكتبوها (التابوت) فإنما أنزل القرآن على لسان قريش) «٣».
ومن الأدلة الأخرى على الالتزام بالرسم العثماني: (روى السخاوي بسنده أن مالكا ﵀ سئل: أرأيت من استكتب مصحفا، أترى أن يكتب على ما استحدثه الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى، قال السخاوي: والذي ذهب إليه مالك هو الحق، إذ فيه بقاء الحالة الأولى إلى أن تعلمها الطبقة الأخرى، ولا
شك أن هذا هو الأحرى بعد الأخرى إذ في خلاف ذلك تجهيل الناس بأولية ما في الطبقة الأولى) «٤».
قال أبو عمرو الداني: لا مخالف لمالك من علماء الأمة في ذلك. وقال أيضا: سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف، أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه كذلك؟ قال: لا قال أبو عمرو: يعني الألف والواو
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب القرآن بلسان قريش، حديث رقم (٣٣١٥): ٣/ ١٢٩١.
(٢) نكت الانتصار للباقلاني: ٣٥٨؛ وينظر: مباحث في علوم القرآن، د. صبحي الصالح: ٧٨؛ ومباحث في علوم القرآن، لمناع القطان: ١٤٧.
(٣) ينظر: مباحث في علوم القرآن، د. صبحي الصالح: ٧٨؛ ومباحث في علوم القرآن، د. مناع: ١٤٧.
(٤) المناهل للزرقاني: ١/ ٣٧٩؛ وينظر: الجمع الصوتي الأول للقرآن: ٢٩٨.
[ ٧٤ ]
المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ نحو (أولوا) «١».
وقال الإمام أحمد بن حنبل: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في الواو أو الألف أو الياء أو غير ذلك «٢».
وقال البيهقي في شعب الإيمان: (من كتب مصحفا ينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغير مما كتبوه شيئا فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا وأعظم أمانة، فلا ينبغي أن يظن بأنفسنا استدراكا عليهم) «٣».