لقد ظل الاهتمام بحفظ القرآن الكريم في عهد الرسول ﷺ مرافقا ومسايرا الاهتمام بكتابته، فكان رسول الله ﷺ يقرؤه على صحابته، ويقرءونه فيما بينهم، وكان ﵊ يأمر بكتابة ما ينزل عليه من القرآن فور نزوله حتى تظاهر الكتابة في السطور، جمع القرآن في الصدور.
والأخبار عن النبي ﷺ بالأمر بكتابته والترغيب فيها كثيرة، منها: أنه ﷺ قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ..) «١»، نفهم من هذا الحديث أن النبي ﷺ أجاز كتابة القرآن، بل أمر بها، ولكن قد لا تتوافر لديهم وقت النزول تلك المادة المطلوبة للكتابة، ولهذا تنوعت أدوات الكتابة في زمن النبي ﷺ «٢»، وهذا يدل على مدى المشقة التي كان يتحملها الصحابة ﵃ في كتابة القرآن، وقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب أنه قال: لما نزلت: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٣»، قال
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، حديث رقم (٣٠٠٤): ٤/ ٢٢٩٨؛ وينظر: نكت الانتصار لنقل القرآن للباقلاني: ٣٥٥.
(٢) ينظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي: ١/ ٢٣٣؛ والإتقان للسيوطي: ١/ ١٢٦؛ وتاريخ القرآن للزنجاني: ٤٤؛ وعلوم القرآن والتفسير: ١٢؛ ومباحث في علوم القرآن، لمناع: ١٢٣؛ وموجز البيان في مباحث القرآن للشيخ كمال الدين الطائي: ٤٧.
(٣) سورة النساء، الآية (٩٥).
[ ٣٢ ]
النبي ﷺ: ادع لي زيدا وليجيء باللوح والدواة والكتف، أو الكتف والدواة، ثم قال: اكتب: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ، وخلف ظهر النبي ﷺ عمرو ابن أم مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول الله فما تأمرني؟ فإني رجل ضرير البصر، فنزلت مكانها: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «١».
وهكذا كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه شيء من القرآن يدعو بعض من يكتب عنه، وكانوا يكتبونه على: العسب، واللخاف، والرقاع، والكرانيف، وقطع الأديم، وعظام الأكتاف، والأضلاع، والأقتاب «٢».
قال الخطابي «٣»: (العسب)، بضم العين والسين: جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشفون الخوص ويكتبون في الطرف العريض. و(اللخاف)، بكسر اللام: جمع لخفة، وهي صفائح الحجارة الرقيقة و(الرقاع): جمع رقعة وتكون من جلد أو ورق. و(الكرانيف)، جمع كرنافة، وهي أصول السعف الغلاظ، و(قطع الأديم): هي الجلد، و(عظام الأكتاف) عظام أكتاف الإبل.
و(الأقتاب) جمع قتب. وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه «٤».
وقال الحارث المحاسبي في كتاب (فهم السنن): كتابة القرآن ليست
_________________
(١) ينظر: صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كتاب النبي ﷺ، حديث رقم (٤٧٠٤): ٤/ ١٩٠٩؛ ينظر: من الرسالة حول ذكر اسم ابن أم مكتوم: ٨٠.
(٢) ينظر: الإتقان ١/ ١٢٧؛ وتحفة الأحوذي: ٨/ ٤٠٨؛ وتاريخ القرآن للدكتور عبد الصبور شاهين: ٤٧.
(٣) الخطابي: هو حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي أبو سلمان، محدث فقيه، ثقة، متثبتا من أوعية العلم، من آثاره: بيان إعجاز القرآن، ومعالم السنن، وشرح البخاري (ت ٣٨٨ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٧/ ٢٣؛ ومعجم المفسرين من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر لعادل نويهض: ١/ ١٦٣.
(٤) ينظر: البرهان: ١/ ٢٣٣؛ ومختار الصحاح: ٥٦٧.
[ ٣٣ ]
بمحدثة، فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا في الرقاع، والأكتاف، والعسب، والقرطاس «١».
غير أن هذا التنوع لا يعني أن الكتابة على تلك المواد الخشنة كانت تشمل أكثر القرآن الكريم، فهنالك أدلة كثيرة تدل على أن المواد اللينة من ورق، أو جلد، بل حتى الحرير كانت من ضمن المواد الأصلية التي كتب عليها القرآن الكريم في زمن النبي ﷺ.
روى الإمام الترمذي وأحمد بن حنبل عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال:
(كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع) «٢»، والرقاع يكون من جلد أو ورق.
وكانت العرب قبل الإسلام وبعده تعرف من وسائل الكتابة أدواتها اللينة كالجلد والورق ولا سيما إذا تصورنا أن مكة كانت مركزا تجاريا مهما تقوم التجارة فيها على توثيق العقود وتدوين الحسابات، ومن الأدلة الأخرى أيضا:
لقد كتبت صحيفة قريش في مقاطعة بني هاشم وصحيفة صلح الحديبية ورسائل النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء لدعوتهم إلى الإسلام على مواد لينة كما تقتضي بذلك الأخبار الموثقة «٣».
وكيف لا تنتشر هذه الأدوات اللينة بين المسلمين وقد جاوروا أهل الكتاب، وكانت بأيديهم كتب يتدارسونها، وقد تكررت إشارات القرآن إلى هذه الكتب، كما خاطب القرآن العرب بأسماء هذه الأدوات اللينة كالصحف
_________________
(١) ينظر: البرهان: ١/ ٢٣٨؛ والإتقان: ١/ ١٢٩.
(٢) سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب في فضل الشام واليمن، حديث رقم (٣٦٥٤): ٥/ ٧٣٤؛ ومسند الإمام أحمد، حديث زيد بن ثابت، حديث رقم (٢١٦٤٧): ٥/ ١٨٤؛ وينظر: الإتقان: ١/ ١٢٦؛ والمرشد الوجيز: ٤٤.
(٣) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام: ٢/ ١٤، و: ٣/ ٣٣١.
[ ٣٤ ]
والقراطيس كما في قوله تعالى: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) «١»، وقوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) «٢»، وقوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا «٣».
وذكر القرآن أيضا القلم والسجل والورق، كل ذلك موجه إلى العرب الذين لصقت بهم صفة الأمية خلال التاريخ، فلا ريب أنها لم تكن أمية جهل بالقراءة والكتابة، وإنما هي وثنية كانوا يدينون بها «٤».
إضافة إلى أنه لو صح أن معظم القرآن الكريم قد كتب على المواد الخشنة لكانت تلك المواد تحتاج في الهجرة إلى حمل قافلة، لأن القرآن الذي نزل بمكة يعد ثلثي القرآن، ولم تحدثنا أخبار الهجرة أن مثل هذه القافلة قد جيء بها إلى المدينة قبل النبي ﷺ أو بعده «٥».
وقد ورد في قصة إسلام عمر بن الخطاب ﵃ أن أوائل سورة (طه) كانت مكتوبة في رقعة في بيت فاطمة بنت الخطاب أخت عمر، ولم تكن هذه الصحيفة إلا واحدة من صحف كثيرة متداولة بين المسلمين في مكة يقرءون
_________________
(١) سورة الأعلى، الآيتان (١٨ - ١٩).
(٢) سورة الأنعام، الآية (٧).
(٣) سورة الأنعام، من الآية (٩١).
(٤) تاريخ القرآن، د. عبد الصبور شاهين: ٦٧.
(٥) ينظر: علوم القرآن والتفسير للدكتور محسن عبد الحميد: ص ١٢ - ١٣، نقلا عن تاريخ القرآن بين تساهل المسلمين وشبهات المستشرقين للدكتور إسماعيل أحمد الطحاوي، بحث منشور في حولية كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، العدد ٣، ١٤٠٤ هـ.
[ ٣٥ ]
فيها القرآن «١».
وجاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵃ أنه قال: لما خطب النبي ﷺ في فتح مكة قام إليه رجل من اليمن يقال له أبو شاه، وطلب إليه أن يكتبوا الخطبة، فقال ﷺ: (اكتبوا لأبي شاه) «٢».
وهنا يبرز سؤال، أو ربما يسأل سائل ويقول: لماذا لم يجمع القرآن في مصحف واحد في عهد النبي ﷺ وتضم المواد المشار إليها والتي استعملت في الكتابة بعضها إلى بعض؟ إن ذلك يرجع إلى ما كان يترقبه النبي ﷺ من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، وكان النبي ﷺ هو الذي يقرر ترتيب الآيات، فيقول: (ضعوا الآية كذا في موضع كذا) «٣».
وإن ذلك لم يكن خاضعا للاجتهاد منه ﵊ لأن جبريل ﵇ كان يعارض النبي ﷺ بالقرآن مرة في رمضان من كل عام، وفي العام الذي توفي فيه ﷺ عارضه به مرتين «٤». وهكذا انقضى العهد النبوي السعيد والقرآن مجموع على هذا النمط، والصحابة ﵃ الذين كانوا
يكتبون القرآن لم يلتزموا بتوالي السور وترتيبها، وذلك لأن أحدهم كان إذا حفظ سورة أنزلت
_________________
(١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨؛ والصديق أبو بكر، لمحمد حسنين هيكل: ٣٠٩.
(٢) ينظر: صحيح البخاري، كتاب اللقطة، رقم الحديث (٢٣٠٢): ٢/ ٨٥٧؛ وصحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث (١٣٥٥): ٢/ ٩٨٨؛ وجامع بيان العلم وفضله ١/ ٨٤.
(٣) ينظر: من حديث يرويه الإمام أحمد في مسنده: ٥/ ١٥٨؛ وينظر: الإتقان للسيوطي: ١/ ١٢٦؛ ومناهل العرفان: ١/ ٢٤٨.
(٤) من حديث صحيح البخاري، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (٣٤٢٦): ٣/ ١٣٢٦؛ وينظر: مسند الإمام أحمد، مسند ابن عباس ﵄، حديث رقم (٢٤٩٤): ١/ ٢٧٥.
[ ٣٦ ]
على رسول الله ﷺ أو كتبها، ثم خرج في سرية مثلا ونزلت في وقت غيابه سورة أخرى، فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته، فيستدرك ما كان يفوته في غيابه «١».
وهكذا فقد ظل القرآن يكتب في حياة رسول الله ﷺ على القطع المتفرقة، دون أن يجمع ويكتب على الصورة التي نجدها للمصحف اليوم، وتأكيدا لما ذكرنا، فقد روى الطبري في تفسيره عن محمد بن شهاب الزهري أنه قال: (قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء، وإنما كان في الكرانيف والعسب) «٢».
وقد ذكر ابن عبد البر ووافقه ابن حجر والسيوطي أن القرآن كان مكتوبا ومجموعا، ولكن في الصحف والألواح والعسب، قال في الاستيعاب:
(وكان القرآن مجموعا في عهد النبي ﷺ ولكنه لم يكن في مصحف واحد، بل كان في صدور الرجال وفي العسب واللخاف والرق وأكتاف الإبل وما إلى ذلك) «٣».
وقال ابن حجر: (إن القرآن كان كله قد كتب في عهد النبي ﷺ في الصحف والألواح والعسب، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب) «٤».
وجاء في الإتقان: (وإنما لم يجمع في مصحف منظم في حياة رسول الله ﷺ لأن القرآن كان ينزل مفرقا، ولأن السورة ربما نزل بعضها ثم تأخر نزول
_________________
(١) ينظر: مناهل العرفان ١/ ٢٤٧؛ ومجلة الوعي الإسلامي، العدد ٣٠٩ سنة ١٤١٠ هـ (جمع القرآن الكريم وافتراءات المستشرقين)، مقال للأستاذ حسن عزوزي: ١٦ - ١٧.
(٢) جامع البيان (تفسير الطبري) ١/ ١٨. والحديث إسناده حسن؛ ينظر تخريجه في المبحث الثالث من هذا الفصل: ٨٦.
(٣) الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر: ١/ ٥٣٣.
(٤) فتح الباري: ٩/ ١٥.
[ ٣٧ ]
تتمتها، فكان القرآن يكتب على القطع حتى إذا توفي رسول الله ﷺ ألهم الله الخلفاء الراشدين جمع القرآن على نسق ما كان يقرأ في زمن النبي ﷺ من القطع التي كتبت بين يديه) «١».
وكذلك أنه لم يوجد من الدواعي لكتابته في مصحف أو مصاحف مثل ما وجد على عهد أبي بكر، ولا مثل ما وجد في عهد عثمان ﵄، فالمسلمون وقتئذ بخير، والقراء كثيرون، والفتنة مأمونة، وأدوات الكتابة غير ميسورة، وعناية الرسول تفوق الوصف، وكذلك أن القرآن الكريم نزل منجما على مدى أكثر من عشرين سنة. ولو جمع في مصحف والحال على ما أشرنا لكان عرضة لتغيير الصحف، أو المصاحف كلما وقع نسخ أو حدث سبب، وذلك عسير جدا «٢».