إن الكتابة أهم وسيلة لحفظ الأفكار ونقل المعرفة من جيل إلى جيل، لكن الكتابة كانت قليلة في بلاد العرب، حين ظهر الإسلام، فكان الكتاب في مدن الجزيرة العربية آنذاك أفرادا معدودين.
قال البلاذري وهو يتحدث عن الكتابة في مكة: (دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب)، وقال عن الكتابة في يثرب: (إن الإسلام جاء وفيهم عدة يكتبون)، وذكر منهم أحد عشر كاتبا «٣».
ولم تمنع قلة الكتاب ولا وسائل الكتابة الصعبة من تدوين ما ينزل على
_________________
(١) الإتقان للسيوطي: ١/ ١٣٦؛ وينظر: تحفة الأحوذي: ٨/ ٤٠٦؛ والكلمات الحسان في الحروف السبعة وجمع القرآن للشيخ محمد نجيب المطيعي الحنفي: ٢١.
(٢) ينظر: مناهل العرفان: ١/ ٢٤٨.
(٣) فتوح البلدان للبلاذري: ص ٤٧٧ - ٤٧٩؛ وينظر: محاضرات في علوم القرآن، د. غانم قدوري: ٤٩.
[ ٣٨ ]
النبي ﷺ من القرآن، وما يحتاج إليه من كتابات أخرى مثل كتابة رسائله ﷺ وغيرها، فالذين اختصوا منهم بكتابة القرآن كانوا يسمون بكتاب الوحي، وكانت كتابة القرآن تخضع للمراجعة والتدقيق حتى لا يتطرق احتمال الخطأ والنقصان إلى كتاب الله تعالى. فقد ورد عن زيد بن ثابت أنه قال: (كنت أكتب الوحي عند رسول الله ﷺ وهو يملي علي، فإذا فرغت قال: اقرأه، فأقرؤه، فإن كان فيه سقط أقامه، ثم أخرج به إلى الناس) «١».
فكان زيد ﵁ من أكثر الصحابة كتابة، وهذا ما قال به أبو بكر ﵁:
إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، وإذا غاب زيد بن ثابت دعا رسول الله ﷺ من كان عنده من الكتاب، فقد ورد عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال:
(كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه شيء يدعو بعض من يكتب عنده، فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا) «٢».
وقد اختلف المؤرخون في عدد كتاب النبي ﷺ، وفي نوع المهمات الكتابية التي ألقيت على كل منهم، فذكر البعض منهم عددا محدودا جدا لا يكاد يعقل، وذكر البعض الآخر عددا معقولا، ولكنه لم يسم لنا، فأوقعنا في حيرة وتساؤل.
والسؤال الذي يطرأ على البال في هذا المجال هو: هل أن جميع الكتاب كانوا يكتبون باستمرار أم أنهم كانوا يتناوبون فيما بينهم؟ وهل استبدل بعضهم وحل محله البعض الآخر؟
_________________
(١) المعجم الأوسط للطبراني، حديث رقم (١٩٤٣): ٢/ ٢٥٧. قال الهيثمي في الزوائد: ١/ ١٥٢: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون؛ وينظر: محاضرات للدكتور غانم قدوري: ص ١٦٥.
(٢) مسند الإمام أحمد، مسند عثمان بن عفان ﵁، حديث رقم (٣٩٩): ١/ ٥٧.
[ ٣٩ ]
ذكر البلاذري «١» أسماء أحد عشر كاتبا هم: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن سعيد بن أبي سرح، وعثمان بن عفان، وشرحبيل بن حسنة، وجهيم بن الصلت، وخالد بن سعيد، وأبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، ومعاوية بن أبي سفيان، وحنظلة بن الربيع ﵃ أجمعين.
أما الطبري «٢» فقد ذكر أسماء عشرة من كتابه ﷺ مضيفا: علي بن أبي طالب ومختزلا شرحبيل بن حسنة، وجهيم بن الصلت.
وذكر المسعودي أسماء ستة عشر كاتبا مضيفا إلى قائمة البلاذري والطبري الأسماء الآتية: المغيرة بن شعبة، والحصين بن نصيرة، وعبد الله بن الأرقم، والعلاء بن عقبة، والزبير بن العوام، وحذيفة بن اليمان، ومعيقيب الدوسي ﵃ «٣». وقال المسعودي مبينا وجهة نظره في عدد الكتاب الذين ذكرهم: (وإنما ذكرنا من أسماء كتابه ﷺ من ثبت على كتابته، واتصلت أيامه فيها وطالت مدته، وصحت الرواية على ذلك من أمره دون من كتب الكتاب أو الكتابين والثلاثة، إذ كان لا يستحق بذلك أن يسمى كاتبا ويضاف على جملة كتابه) «٤».
ونلاحظ من خلال كلام المسعودي هذا أنه كان للنبي ﷺ كتاب، ليس للرسائل فقط، بل هناك من كتاب الوحي أو الرسائل أو الصدقات أو المعاملات أو المداينات أو المغانم أو لأغراض إحصائية وما إلى ذلك.
عن الإمام الدميري «٥» رحمه الله تعالى، قال: (كان الزبير بن
_________________
(١) فتوح البلدان للبلاذري: ٦٦.
(٢) تاريخ الأمم والملوك للطبري: ٢/ ٤٢١.
(٣) التنبيه والإشراف للمسعودي: ٢٤٥.
(٤) التنبيه والإشراف: ٢٤٦.
(٥) الدميري: هو محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدميري أبو البقاء، كاتب أديب من فقهاء الشافعية، قال السخاوي: برع في التفسير والحديث والفقه وأصوله والعربية
[ ٤٠ ]
العوام وجهم بن الصلت يكتبان أموال الصدقات، وحذيفة بن اليمان حوض النخل، والمغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات، وشرحبيل بن حسنة يكتب التوقيعات إلى الملوك) «١».
أما ابن عبد البر «٢» فقد سمى لنا ثلاثة وعشرين كاتبا، وإذا استبعدنا من قائمته الذين ذكرهم البلاذري والطبري والمسعودي نجد أن قائمته تزيد على قائمتي الطبري والمسعودي بالأسماء الآتية: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، وعمرو بن العاص ﵃ أجمعين.
وذكر الديار بكري أسماء أربعة وثلاثين كاتبا استوعبت القوائم المشار إليها مع زيادة متمثلة في: طلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، والأرقم بن أبي الأرقم، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه، وسعيد بن العاص، وحويطب بن عبد العزى العامري، وأبي سلمة بن عبد الأسد، وحاطب بن عمرو بن حنظلة ﵃ أجمعين، وقال:
(قيل: إن كتابه نيف وأربعون وأكثرهم ملازمة له زيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان بعد الفتح) «٣».
وأوصلهم العراقي إلى اثنين وأربعين «٤».
_________________
(١) - والأدب وغيرها، (ت ٨٠٨ هـ). ينظر: معجم المفسرين لعادل نويهض: ٢/ ٦٤٢.
(٢) هدي أهل الإيمان إلى جمع الفقهاء الراشدين القرآن: ٢٣.
(٣) الاستيعاب: ١/ ٢٩ - ٣٠.
(٤) تاريخ الخميس ٢/ ١٨١ - ١٨٢؛ وينظر: مجلة المؤرخ العربي، مقال للدكتور شاكر محمود عبد المنعم عن كتاب النبي ﷺ العدد ٤ سنة ١٩٧٧، ١٧٤.
(٥) التراتيب الإدارية ١/ ١١٥؛ ينظر: مجلة الوعي الإسلامي، العدد ٣٠٩ رمضان ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م، مقال للدكتور حسن عزوزي (جمع القرآن الكريم وافتراءات المستشرقين): ١٧.
[ ٤١ ]
وأيا كان الأمر، فإن المصادر تشير إلى أن عدد الكتاب تراوح بين ستة وعشرين وثلاثة وأربعين كاتبا «١»، وكانوا يتناوبون على الكتابة، وكان أكثرهم مداومة على كتابة الوحي زيد بن ثابت ﵁ بعد الهجرة، ومعاوية بن أبي سفيان ﵁ بعد الفتح.
ولم يكن جميع الكتاب يكتبون الوحي، والواقع أن هذه المسألة مهمة جدا في معرفتها «٢».
ويفهم من هذه النصوص، ونصوص أخرى: أن كتاب الوحي المعتمدين هم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ﵃، وإن غاب هؤلاء تولى الكتابة من حضر من الكتاب وهم:
معاوية بن أبي سفيان، وخالد بن سعيد، وأبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، وحنظلة بن الربيع ﵃. وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب الوحي ثم ارتد عن الإسلام، ثم رجع إلى الإسلام يوم فتح مكة وحسن إسلامه.
هؤلاء هم الذين أشارت المصادر إلى أنهم كتبوا الوحي، وكان حنظلة بن الربيع خليفة كل كاتب من كتابه ﷺ إذا غاب عن عمله «٣».
ويتضح لدى الاستقراء أن ثمة تخصصا كان موجودا في الكتابة والكتّاب. وهذا لا يعني ضرورة أن ينفرد كاتب كخالد بن سعيد بن العاص أو حنظلة الأسيدي بالكتابة بين يديه ﷺ في سائر ما يعرض من أمور «٤»، علما أن
_________________
(١) ينظر: مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية: ٦؛ وتاريخ الخميس: ١/ ١٨٢.
(٢) ينظر: مجلة المؤرخ العربي العدد ٤ لسنة ١٩٧٧ م، مقالا للدكتور شاكر محمود عبد المنعم: ١٧٤ - ١٧٥.
(٣) ينظر: التراتيب الإدارية ١/ ١١٨؛ ومراحل كتابة القرآن الكريم وجمعه، مقال كتبه محمود شكر محمود الجبوري في مجلة دراسات إسلامية، يصدرها بيت الحكمة، العدد السادس من السنة الثانية (١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م): ٧.
(٤) التنبيه والإشراف: ص ٢٤٥؛ وينظر: مجلة المؤرخ العربي، كتاب النبي ﷺ: ١٧٧.
[ ٤٢ ]
أهم أنواع الكتابة وأعظمها شرفا هي كتابة الوحي، التي ألمحت أن زيد بن ثابت الأنصاري كان ألزم الصحابة لكتابتها. فقد ورد الحديث عن النبي ﷺ أنه قال:
(ادع لي زيدا وليجيء باللوح والدواة) «١». ويمكن أن نصنف الكتابة في زمن النبي ﷺ على الشكل الآتي:
١ - كتاب الوحي.
٢ - كتابة رسائل النبي ﷺ «٢» وما يعرض من حوائجه ﵊.
٣ - كتابة المداينات بين الناس والعقود والمعاملات.
٤ - كتابة أموال الصدقات.
٥ - كتابة الخرص «٣».
٦ - كتابة المغانم.
٧ - كتابة العهود والمواثيق والصلح.
وفضلا عن ذلك فقد وردنا عن حذيفة ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ:
(اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل، فقلنا:
نخاف ونحن ألف وخمسمائة!! فلقد رأيتنا ابتلينا حتى أن الرجل ليصلي وحده وهو خائف) «٤».
يستنتج من ذلك أنهم كتبوا أسماء المسلمين لأغراض إحصائية. ولا مشاحة أنهم كانوا يحتاجونها في السلم والحرب.
ومن نافلة القول التأكيد على أمانة الكتاب ومدى الثقة بهم، لأنهم
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كاتب النبي ﷺ، حديث رقم (٤٧٠٤): ٤/ ٩٠٩؛ وينظر: فتح الباري: ٩/ ٢٧.
(٢) وتشمل الرسائل إلى الملوك والرسائل فيما بينه ﷺ وبين العرب.
(٣) الخارص: هو المحزر والمقدر للثمر وغيره. ينظر: مختار الصحاح: ٣٢١.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسلم، باب كتابة الإمام للناس، حديث رقم (٢٨٩٥): ٣/ ١١٤.
[ ٤٣ ]
أصحاب رسول الله ﷺ، وإذا صح أن وجد بينهم من لم يكن أمينا فسرعان ما يتضح أمره. فورد عن أنس ﵁ خادم النبي ﷺ أنه قال: (أنه كان رجل نصرانيا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران فكان يكتب للنبي ﷺ، ثم عاد إلى نصرانيته، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض، ثم أعمقوا له ثلاث مرات، فيصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من عمل الناس فتركوه) «١». وهذه الرواية الصحيحة بالرغم من أهميتها إلا أن آيات القرآن كانت أصرح الدلالة في هذا الجانب إذ يقول الباري ﷿:
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٢»، وقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) «٣».
ويبدو لي أن من الكتاب من ألقيت عليه مهمة تعليم القراءة والكتابة التي صورت لنا المصادر أن الإسلام كان حفيا بها في بواكير محنته مع أهل الشرك والضلال، وكيف أن النبي ﷺ قبل من أسرى بدر تعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة فداء لأسرهم.
إن هذا يعكس دون أدنى ريب الوجه الثقافي والحضاري الصاعد في شريعة الإسلام الخالدة، فكان مصعب بن عمير قد نزل- عند مقدمة المدينة- على أسعد بن زرارة فكان يطوف به على دور الأنصار يقرئهم القرآن ويدعوهم إلى الله ﷿. وكان مع مصعب بن عمير عبد الله ابن أم مكتوم «٤». ولكي تتضح تلك الأنواع المتخصصة بالكتابة أرى من الضروري
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم الحديث (٣٤٢١): ٣/ ١٣٢٥.
(٢) سورة فصلت، من الآية (٤٢).
(٣) سورة الحجر، الآية (٩).
(٤) ينظر: التراتيب الإدراية ١/ ٤٨؛ والاستبصار للمقدسي: ص ٥٧؛ وينظر: مجلة
[ ٤٤ ]
إيراد استعراض مختصر لبعض الكتاب، وسأذكرهم على ترتيب الحروف: