شهد الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ وهو يوحى إليه، وحدثهم ﷺ عن بدء الوحي وأحواله، فاستبانت من خلال ذلك كله خصائص الوحي، واستقر في أفئدتهم علم اليقين بأن هذا هو وحي الله العظيم إلى نبيه الكريم سيدنا محمد ﷺ.
فالصحابة ﵃ هم من قوم قد تمرنوا على الحفظ عبر مئات السنين، وكانوا يفتخرون بقوة حافظتهم، وجودة ملكتهم.
والقرآن الكريم نزل في مدة بلغت ثلاثا وعشرين سنة، وكانوا كلما نزلت آية مفردة أو آيات، حفظتها الصدور ووعتها القلوب، وكان كتاب الله في المحل الأول من عناية صحابة رسول الله ﷺ به، حيث كانوا يتنافسون في استظهاره وحفظه، ويتسابقون إلى مدارسته وتفهمه ويتفاضلون فيما بينهم على مقدار ما يحفظون منه، وربما كانت قرة عين السيدة منهم أن يكون مهرها في زواجها سورة من القرآن يعلمها إياها زوجها. وكانوا يهجرون لذة النوم وراحة الهجود إشارة للذة القيام به في الليل، والتلاوة له في الأسحار، والصلاة به
_________________
(١) - الفتح يوم فتح مكة، رقم الحديث (٧٩٤): ١/ ٥٤٧.
(٢) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١)، رقم الحديث (٤٣٠٦): ٤/ ١٦٧٣.
[ ٢٥ ]
والناس نيام، حتى لقد كان الذي يمر ببيوت الصحابة في غسق الدجى يسمع فيها دويا كدوي النحل بالقرآن، وكان الرسول ﷺ يذكي فيهم روح هذه العناية بالتنزيل يبلغهم بما أنزل إليه من ربه، ويبعث إلى من كان بعيد الدار منهم من يعلمهم ويقرئهم. كما بعث مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته ﷺ يعلمانهم الإسلام، ويقرءانهم القرآن، وكما أرسل ﵊ معاذ بن جبل ﵁ إلى مكة بعد هجرته للتحفيظ والإقراء «١».
قال عبادة بن الصامت ﵁: (كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله ﷺ أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا) «٢».
وجاء في الأثر عن عبد الله بن حبيب، أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال:
(حدثنا الذين كانوا يقرءوننا كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل معا) «٣».
وجاء في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال: آلله سماني؟ قال: نعم، وقد ذكرت عند رب العالمين، قال: وذرفت عيناه واشتهر بين الناس بأن أبيّ أقرؤكم) «٤».
_________________
(١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام: ٢/ ٧٦؛ وحياة الصحابة للشيخ محمد يوسف الكاندهلوي: ١/ ١١٦ - ١١٧؛ ومناهل العرفان للزرقاني: ١/ ٢٤١؛ ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان: ١١٩؛ وعلوم القرآن والتفسير، د. محسن: ٩.
(٢) ينظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني: ١/ ١٠٧؛ ومناهل العرفان: ١/ ٢٤١.
(٣) مسند الإمام أحمد، حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ، حديث رقم (٢٣٥٢٩): ٥/ ٤١٠.
(٤) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة ﵃، باب مناقب أبي بن كعب
[ ٢٦ ]
وتدل هذه الرواية وغيرها على أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن لبعض صحابته، ويهتم بأن يحفظوه، وكان رسول الله ﷺ يمر على بيوت الأنصار ويستمع إلى ندى أصواتهم بالقراءة في بيوتهم، وكما جاء في الحديث الذي يرويه الإمام البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إني لأعرف رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوها بالنهار) «١».
وعن أبي موسى الأشعري ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال له: لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك؟ لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود) «٢». وفي رواية الإمام مسلم بزيادة: (لو علمت والله يا رسول الله أنك تسمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا) «٣».
وبعد الحفظ والإتقان كان كل حافظ ينشر ما حفظه ويعلمه للأولاد والصبيان، والذين لم يشهدوا النزول ساعة الوحي من أهل مكة والمدينة ومن حولهم من الناس، فلا يمضي يوم أو يومان إلا وما نزل محفوظ في صدور كثيرين من الصحابة، وكان الحفظة والقراء يعرضون على النبي ﷺ ما كانوا يحفظون من القرآن «٤».
_________________
(١) - ﵁، حديث رقم (٣٥٩٨): ٣/ ١٣٨٥.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الغزوات، باب غزوة خيبر، حديث رقم (٣٩٩١): ٤/ ١٥٤٧.
(٣) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، حديث رقم (٤٧٦١): ٤/ ١٩٢٥؛ وينظر: مباحث في علوم القرآن لمناع القطان: ١٢٠.
(٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، حديث رقم (٧٩٣): ١/ ٥٤٦؛ وقال البيهقي في السنن ٣/ ١٢: رواه مسلم في الصحيح ولم يذكر قول أبي موسى.
(٥) ينظر: مناهل العرفان: ١/ ٢٤٧؛ ومباحث علوم القرآن لمناع القطان: ١٢٠ -
[ ٢٧ ]
وعلى الرغم من أن القرآن الكريم لم يجمع في مكان واحد- سيأتي بيان سبب ذلك «١» - إلا أن ترتيبه في الحفظ لم يتغير، لأنه كان ترتيبا توقيفيا من الله تعالى، فقد ورد أن جبريل ﵇ كان يقول: (ضعوا آية كذا في موضع كذا) «٢»، ولا ريب أن جبريل كان لا يصدر في ذلك إلا عن أمر الله ﷿، وهناك روايات متنوعة صحيحة كثيرة تدل دلالة قاطعة على أن رسول الله ﷺ وصحابته الكرام كانوا يقرءون القرآن الكريم على هذا الترتيب نفسه الذي يبدأ بسورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس.
ومن هنا كان حفاظ القرآن في حياة الرسول ﷺ جما غفيرا من الصحابة الكرام، فمنهم من حفظه كله، ومنهم من حفظ بعضه، ومن هؤلاء الحفاظ المشهورين: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وابن مسعود وحذيفة وسالم مولى أبي حذيفة وأبو هريرة وابن عمر وابن عباس وعمرو بن العاص وابنه عبد الله ومعاوية وابن الزبير وعبد الله بن السائب وعائشة وحفصة وأم سلمة، وهؤلاء كلهم من المهاجرين ﵃ أجمعين.
وحفظ القرآن من الأنصار في حياته ﷺ: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو الدرداء ومجمع بن حارثة وأنس بن مالك وأبو زيد الذي سئل عنه أنس فقال: إنه أحد عمومتي ﵃ أجمعين «٣». وقيل: إن بعض هؤلاء إنما أكمل حفظه للقرآن بعد وفاة النبي ﷺ، وأيا ما تكون الحال،
_________________
(١) - ١٢١؛ ومجلة الفتوى (مجلة إسلامية ثقافية شهرية)، السنة التاسعة، العدد (١٠٨)، القرآن العظيم مصدر التلقي، مقال للكاتب جاسم محمد الجنابي: ١٣.
(٢) ينظر: المبحث الثاني من هذا الفصل: ٣٢.
(٣) مسند الإمام أحمد ٥/ ١٥٨؛ وينظر: المرشد الوجيز لأبي شامة المقدسي: ٤٥؛ ومناهل العرفان: ١/ ٢٤٨.
(٤) ينظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري: ١/ ٦.
[ ٢٨ ]
فإن الذين حفظوا القرآن من الصحابة كانوا كثيرين حتى بلغ عدد القتلى منهم في بئر معونة ويوم اليمامة مائة وأربعين «١» على أرجح الروايات، وسيأتي الحديث عن بعضهم مفصلا في المبحث القادم إن شاء الله تعالى.
ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب، يعد أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة، فجاء في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد: أن النبي ﷺ قال: (إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، فقلت له: رب إذن يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة، فقال: مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظانا، فابعث جندا أبعث مثلهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأنفق من ينفق عليك) «٢».
فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرأ في كل حال كما جاء في الأثر عن صفة أمته ﷺ: (أنا جيلهم في صدورهم) «٣»، وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا
_________________
(١) ينظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري: ١/ ٦؛ ومناهل العرفان: ١/ ٢٤٢؛ وعلوم القرآن والتفسير، د. محسن عبد الحميد: ١٢ - ١٣.
(٢) مسند الإمام أحمد، حديث رقم (١٧٥١٩): ٤/ ١٦٢؛ وينظر: النشر في القراءات العشر: ١/ ٦.
(٣) المراد: كتابهم المقدس وهو القرآن لأن المسلمين ليس لهم أناجيل، وإنما ذلك للنصارى، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره عن قتادة في قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) [سورة الأعراف، الآية (١٥٤)]. قال موسى: رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها، رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال قتادة: فذكر لنا أن نبي الله موسى ﵇ نبذ الألواح وقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد. ينظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢١٧؛ والمدخل لدراسة القرآن الكريم: محمد بن
[ ٢٩ ]
يقرءونه كله إلا نظرا لا عن ظهر قلب، ولما خص الله تعالى بحفظه من شاء من أهله أقام له أئمة ثقات تجردوا لحفظه، وبذلوا أنفسهم في إتقانه، وتلقوه من النبي ﷺ حرفا حرفا، لم يهملوا منه حركة ولا سكونا ولا إثباتا ولا حذفا، ولا دخل عليهم في شيء منه شك «١».
ولعل من أهم العوامل التي ساعدت الصحابة ﵃ على حفظ كتاب الله وتعلمه هو: وجود الرسول ﷺ بين ظهرانيهم، يحفظهم من الكتاب والسنة ما لم يحفظوه ويعلمهم ما جهلوه، ويجيبهم إذا سألوه ..، ولا ريب أن هذا عامل مهم ييسر لهم الحفظ ويهون عليهم الاستظهار، ولا سيما إذا لاحظنا أنه ﷺ كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ، وقد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء «٢»، فأحبوه حبا ملك مشاعرهم، فما حكاه التاريخ الصادق عنهم من أنه ما كان أحد يحب أحدا مثل ما كان يحب أصحاب محمد محمدا ﷺ «٣».
وكذلك ينبغي عدم التقليل من أهمية المشافهة والحفظ، لأن الصحابة ﵃ حفظوا الحكم والأمثال والقصص والأشعار في الجاهلية فكيف لا تتوافر هممهم على حفظ القرآن في الإسلام، وهو أساس علاقتهم ودستور حياتهم.
وللمشافهة أهمية خاصة لأنها تفيد في التركيز على الفهم والاستيعاب، وكذلك ما كان للناس آنذاك حياة معقدة كالتي نعيشها
_________________
(١) - محمد أبو شهبة: ٢٣٨.
(٢) ينظر: النشر في القراءات العشر: ١/ ٦.
(٣) ينظر: مناهل العرفان: ١/ ٣١٢؛ وينظر: مقدمتان في علوم القرآن: ٢٣.
(٤) ينظر: مناهل العرفان: ١/ ٣١٢.
[ ٣٠ ]
في عصرنا، فهمومهم ومشاغلهم بسيطة، فكان الحفظ دقيقا ومهما، ولذلك فإن الحفظ في صدور الرجال كان أساسيا في جمع القرآن الكريم كوسيلة أولى في هذا المضمار «١».
_________________
(١) ينظر: مجلة المؤرخ العربي العدد ١٩ لسنة ١٩٨١، مقال للدكتور شاكر محمود عبد المنعم حول مراحل جمع القرآن: ١٥٦ (بتصرف).
[ ٣١ ]