لقد ذهب العلماء في لفظ (القرآن) مذاهب، فهو عند بعضهم غير مشتق، وغير مهموز، وعند بعضهم مشتق ومهموز، فممن رأى أنه بغير همز:
الشافعي، والفراء، وابن كثير «١».
_________________
(١) أ- الشافعي: هو محمد بن إدريس بن عباس بن عثمان بن شافع أبو عبد الله المطلبي القريشي، ينسب إليه المذهب الشافعي (ت ٢٠٤ هـ). ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: ٢/ ٦٠؛ وتذكرة الحفاظ للذهبي: ١/ ٣٦١. ب- الفراء: هو أحد نحاة الكوفة وأئمتها المشهورين في اللغة، واسمه يحيى بن زياد الديلمي، ويكنى أبا زكريا، (ت ٢٠٧ هـ). ينظر: طبقات النحويين واللغويين لأبي بكر محمد بن الحسين الزبيدي: ١٤٣؛ وفيات الأعيان لابن خلكان: ٢/ ٢٢٨؛ وسير أعلام النبلاء للذهبي: ١٠/ ١١٩. ج- ابن كثير: هو أبو معبد عبد الله بن كثير بن عمر بن زادان، وكان إمام الناس في القراءة بمكة، لقي من الصحابة: عبد الله بن الزبير وأبا أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك ﵃. (ت ١٢٠ هـ). ينظر: تاريخ القرآن للزنجاني: ٨١.
[ ١٧ ]
يقول الشافعي: إن لفظ القرآن المعرف ب (ال) ليس مشتقا ولا مهموزا، بل ارتجل ووضع علما على الكلام المنزل على النبي محمد ﷺ، ف (القرآن) عند الشافعي لم يؤخذ من قرأت، ولو أخذ من قرأت كان كل ما قرئ قرآنا، ولكنه مثل التوراة والإنجيل «١».
ويقول الفراء: إنه مشتق من القرائن جمع قرينة، لأن آياته يشبه بعضها بعضا، فكأن بعضها قرينة على بعض، وواضح أن النون في قرائن أصلية «٢».
وممن رأى أن لفظ (القرآن) مهموز: الزجاج «٣»، واللحياني «٤»، وآخرون.
يقول الزجاج: إن لفظ (القرآن) مهموز على وزن فعلان، مشتق من القرء بمعنى الجمع، ومنه قرأ الماء في الحوض إذا جمعه، لأنه جمع ثمرات الكتب السابقة «٥».
ويقول اللحياني: إنه مصدر مهموز بوزن الغفران، مشتق من قرأ بمعنى [تصوير]
_________________
(١) لسان العرب لابن منظور، مادة (قرأ): ٣/ ٤٢؛ والإتقان للسيوطي: ١/ ١١٢.
(٢) المصدران السابقان: ٣/ ٤٢، ١/ ١١٢؛ وينظر: المدخل لدراسة القرآن الكريم، محمد أبو شهبة: ١٩؛ ومباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح: ١٨.
(٣) الزجاج: هو إبراهيم بن السري ويكنى بأبي إسحاق، صاحب كتاب معاني القرآن، (ت ٣١١ هـ). ينظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي: ١/ ١٦٣؛ وسير أعلام النبلاء: ١٤/ ٣٦٠.
(٤) اللحياني: هو أبو الحسن علي بن حازم اللغوي المشهور، (ت ٢١٥ هـ). ينظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: ١/ ١١٢؛ ومباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح: ١٩.
(٥) ينظر: البرهان للزركشي ١/ ٢٧٨؛ والإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ١١٣؛ ومناهل العرفان للزرقاني: ١/ ١٤؛ والمدخل لدراسة القرآن الكريم، محمد أبو شهبة: ١٩؛ ومباحث في علوم القرآن، د. صبحي الصالح: ١٩؛ والمدخل في فقه القرآن، د. فرج توفيق: ١١.
[ ١٨ ]
تلا، سمي به المقروء تسمية للمفعول بالمصدر «١».
وقال الزرقاني: (أما لفظ القرآن: فهو في اللغة مصدر مرادف للقراءة. ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) «٢»، ثم نقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسما للكلام المعجز المنزل على النبي ﷺ من باب إطلاق المصدر على مفعوله، ذلك ما نختاره استنادا إلى موارد اللغة وقوانين الاشتقاق ، فلفظ قرآن مهموز، وإذا حذف همزه فإنما ذلك للتخفيف، وإذا دخلته (ال) بعد التسمية فإنما هي للمح الأصل لا للتعريف) «٣». وهذا هو الرأي الراجح، والله أعلم.