قوله: (جمع القرآن) أي: استظهره حفظا «٤».
وقال الإمام النووي نقلا عن المازري «٥»: هذا الحديث مما يتعلق به بعض الملاحدة في تواتر القرآن، وجوابه: أنه ليس فيه تصريح بأن غير الأربعة
_________________
(١) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم: ١٦/ ١٨؛ وفتح الباري: ٧/ ١٢٨.
(٢) صحيح البخاري، باب مناقب زيد بن ثابت ﵁، رقم الحديث (٣٥٩٩): ٣/ ١٣٨٦.
(٣) صحيح مسلم، باب فضائل أبي بن كعب وجماعة من الأنصار ﵃، رقم الحديث (٢٤٦٥): ٤/ ٩١٤.
(٤) فتح الباري: ٧/ ١٦١.
(٥) المازري: هو محمد بن علي بن عمر، أبو عبد الله المازري التميمي المالكي، ويعرف بالإمام، وهو إمام أهل إفريقية، وكان من شيوخها في الفقه والاجتهاد (ت ٥٣٦ هـ). ينظر: المعين في طبقات المحدثين للذهبي: ٢/ ١٥٨.
[ ٨٠ ]
لم يجمعه، فقد يكون مراده الذين علمهم من الأنصار أربعة، أما غيرهم من المهاجرين والأنصار الذين لا يعلمهم فلم ينفهم، ولو نفاهم كان المراد نفي علمه، ومع هذا فقد روى غير مسلم حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي ﷺ، وذكر منهم المازري خمسة عشر صحابيا. وثبت في الصحيح أنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمعوا القرآن، وكانت اليمامة قريبا من وفاة النبي ﷺ، فهؤلاء الذين قتلوا من جامعيه يومئذ، فكيف الظن بمن لم يقتل ممن حضرها ومن لم يحضرها وبقي بالمدينة أو بمكة أو غيرهما، ولم يذكر في هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من كبار الصحابة الذين يبعد كل البعد أنهم لم يجمعوه مع كثرة رغبتهم في الخير وحرصهم على ما دون ذلك من الطاعات.
وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه، بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى «١».
وهناك أجوبة أخرى لحديث أنس ﵁، ذكرها القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره من أهمها:
١ - فلا يلزم أن يكون غيرهم جمعه.
٢ - المراد لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نزل بها إلا أولئك.
٣ - إن المراد بجمعه تلقيه من فيّ رسول الله ﷺ بلا واسطة بخلاف غيرهم.
٤ - أنهم تصدوا لإلقائه وتعليمه فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم.
٥ - المراد بالجمع الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظا على ظهر قلب، وأما هؤلاء فجمعوه كتابة وحفظوه عن ظهر قلب.
وهناك احتمال آخر، وهو أن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس فقط، بقرينة المفاخرة، فلا ينفي ذلك من غير القبيلتين من المهاجرين ومن جاء
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم: ١٦ م/ ١٩.
[ ٨١ ]
بعدهم. ويحتمل أن يقال: إنما اقتصر عليهم أنس لتعلق غرضه بهم «١».
ولذلك الذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر ﵁ كان يحفظ القرآن في حياة رسول الله ﷺ، وهو ليس من هؤلاء الأربعة الذين خصهم النبي ﷺ بحفظ القرآن وقد جاء بالأثر أنه: (بنى مسجدا بفناء داره فكان يقرأ فيه القرآن) «٢». وهذا مما لا يرتاب فيه مع شدة حرص أبي بكر على تلقي القرآن من النبي ﷺ.
وجاء في صحيح مسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) «٣»، وكما جاء في الأثر أيضا: (أن النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يؤم في مكانه لما مرض) «٤»، فيدل ذلك على أنه كان أقرأهم.
وأخرج النسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: (جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي ﷺ فقال: اقرأه في كل شهر ) «٥»
الحديث.
ج- وهناك رواية أخرى في صحيح البخاري تخالف رواية قتادة من وجهين، وهذه الرواية هي: (حدثنا معلى بن أسد حدثنا عبد الله بن المثنى قال: حدثني ثابت البناني
وثمامة عن أنس بن مالك قال: (مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن
_________________
(١) ينظر: فتح الباري: ٩/ ٦٢.
(٢) ينظر: فتح الباري: ٩/ ٦٣.
(٣) ينظر: صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم الحديث (٦٧٣): ١/ ٤٦٥.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الجماعة والإمامة بلفظ (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، رقم الحديث (٦٣٣): ١/ ٢٣٦؛ وفي صحيح مسلم، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عارض، رقم (٤١٨): ١/ ٣١٣.
(٥) سنن النسائي، رقم (٨٠٦٤): ٥/ ٢٤.
[ ٨٢ ]
ورثناه) «١».
الوجه الأول: الذي خالفت فيه رواية قتادة التي ذكرناها قبل قليل:
التصريح بصيغة الحصر في الأربعة «٢».
ثانيهما: ذكر أبي الدرداء بدل أبي بن كعب.
فأما الوجه الأول فقد تقدم الجواب عنه من عدة احتمالات. فلا نسلم حمله على ظاهره، واستدل الإمام القرطبي أيضا إضافة إلى بعض ما تقدم: من أنه قتل يوم اليمامة سبعون من القراء وقتل في عهد النبي ﷺ ببئر معونة مثل هذا العدد «٣». قال: وإنما خص أنس الأربعة من القراء بالذكر لشدة تعلقه بهم دون غيرهم «٤».
وأما الوجه الثاني من المخالفة: هو ذكر أبي الدرداء بدلا من أبي، قال بعض العلماء بأن ذكر أبي الدرداء وهم، والصواب أبي بن كعب «٥».
وقال ابن حجر: وقد أشار البخاري إلى عدم الترجيح باستواء الطرفين، ويحتمل أن يكون أنس حدث بهذا الحديث في وقتين، فذكره مرة أبي بن كعب، ومرة أبا الدرداء. وقد روى ابن أبي داود من طريق محمد بن كعب القرظي قال:
(جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل،
_________________
(١) صحيح البخاري، باب القراء من أصحاب النبي ﷺ، رقم الحديث (٤٧١٨): ٤/ ١٩١٣.
(٢) فتح الباري: ٩/ ٦٣.
(٣) من حديث صحيح البخاري، باب مد العون بالمدد، رقم الحديث (٢٨٩٩): ٣/ ١١١٥؛ وينظر: سنن البيهقي الكبرى، رقم (٢٩١٥): ٢/ ١٩٩؛ ومجمع الزوائد للهيثمي، باب غزوة بئر معونة: ٦/ ١٢٧، قال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١/ ٥٧؛ فتح الباري: ٩/ ٦٤.
(٥) فتح الباري: ٩/ ٦٤.
[ ٨٣ ]
وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري) «١».
قال ابن حجر: إسناده حسن مع إرساله. وهو شاهد جيد لحديث عبد الله بن المثنى في ذكر أبي الدرداء وإن خالفه في العدد والمعدود «٢».
إذن .. فهذه الرواية- التي خالفت رواية قتادة- الحصر فيها حصر إضافي وليس حصرا حقيقيا حتى ينفي أن يكون غير هؤلاء الأربعة قد جمعه على عهد رسول الله ﷺ، فسيدنا أنس ﵁ هو صادق في كلتا الروايتين، لأنه ليس بمعقول أن يكذب نفسه- حاشاه- فتعين أنه يريد الحصر الذي أورده الحصر الإضافي، بأن يقال: إن أنسا ﵁ تعلق غرضه في وقت ما بأن يذكر الثلاثة ويذكر معهم أبي بن كعب دون أبي الدرداء، ثم علق غرضه في وقت آخر بأن يذكر الثلاثة ويذكر معهم أبا الدرداء دون أبي بن كعب، وهذا التوجيه يتعين المصير إليه جمعا بين هاتين الروايتين، وبينهما وبين روايات أخرى ذكرت غير هؤلاء «٣».
وقوله: (وأبو زيد): القائل ذلك هو أنس بن مالك ﵁.
قال قتادة: قلت: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي.
رجح الإمام النووي أن أبا زيد هو: (سعد بن عبيد بن النعمان الأوسي من بني عمرو بن عوف، بدري، يعرف بسعد القاري. استشهد بالقادسية سنة خمسة عشرة في أول خلافة عمر بن الخطاب ﵁. قال ابن عبد البر: هذا هو قول أهل الكوفة) «٤».
_________________
(١) المصدر نفسه: ٩/ ٦٤.
(٢) المصدر نفسه: ٩/ ٦٤.
(٣) ينظر: مناهل العرفان: ١/ ٢٤٣.
(٤) شرح النووي لصحيح مسلم: ١٦/ ٢٠.
[ ٨٤ ]
وبهذا جزم الطبراني «١»، إلا أن الواقدي «٢» رجح أنه: هو قيس بن السكن بن قيس بن زعور بن حرام الأنصاري النجاري، ويرجحه قول أنس:
(أحد عمومتي) فإنه من قبيلة بني حرام «٣».
وجاء في صحيح البخاري أيضا عن أنس ﵁ أنه قال: (مات أبو زيد ولم يترك عقبا وكان بدريا) «٤».
فقول أنس: (أحد عمومتي، نحن ورثناه) في الرواية الأولى يرد على من يرجح أن أبا زيد المذكور هو سعيد بن عبيد بن النعمان، لأن أنسا خزرجي وسعد بن عبيد أوسي.
قال ابن حجر: وإذا كان كذلك احتمل أن يكون سعد بن عبيد ممن جمع ولم يطلع أنس على ذلك «٥».
وقد ذكر ابن أبي داود فيمن جمع القرآن قيس بن أبي صعصعة، وهو خزرجي، ويكنى أبا زيد وهذا ما رجحه ابن حجر، قال: (ثم وجدت عند ابن أبي داود ما يرفع الإشكال من أصله، فإنه روى بإسناد على شرط البخاري إلى ثمامة عن
_________________
(١) الطبراني: هو سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي أبو القاسم الطبراني، من كبار رجال الحديث في زمانه، مفسر، من تصانيفه المعجم الكبير والأوسط والصغير (ت ٣٦٠ هـ). ينظر: التقييد لمحمد بن عبد الغني أبو بكر البغدادي (ت ٦٢٩)، دار الكتب العلمية: ٢٨٤؛ والأعلام للزركلي: ٣/ ١٨١؛ ومعجم المفسرين لعادل نويهض: ١/ ٢١٤.
(٢) الواقدي: هو محمد بن عمر بن واقد أبو عبد الله الواقدي المدني، صاحب التصانيف والمغازي، أحد أوعية العلم على ضعفه المتفق عليه (ت ٢٠٧ هـ) وله ثمان وسبعون سنة. ينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ٩/ ٤٥٤؛ وتقريب التهذيب لابن حجر: ١/ ٤٩٨.
(٣) فتح الباري: ٧/ ١٦١.
(٤) صحيح البخاري، باب شهود الملائكة بدرا، رقم الحديث (٣٧٧٤): ٤/ ١٤٦٨.
(٥) فتح الباري: ٩/ ٦٤.
[ ٨٥ ]
أنس أن أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن، قال: (وكان رجلا منا بني عدي بن النجار أحد عمومتي، مات ولم يدع عقبا، ونحن ورثناه)، قال ابن أبي داود: (مات قريبا من وفاة النبي ﷺ فذهب علمه ولم يؤخذ عنه وكان عقبيا بدريا) «١».
والذي أرجحه وأميل إليه، أن أبا زيد الذي هو أحد عمومة أنس بن مالك هو: قيس بن السكن .. لأن كليهما خزرجي، والله تعالى أعلم.