في قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) «١».
قال الإمام النووي: (فيه دليل لسقوط الجهاد عن المعذورين) «٢»، من أهل الأعذار المبيحة لترك الجهاد، من العمى والعرج والمرض، ولهم ثواب، ولكن لا يكون كثواب المجاهدين، بل لهم ثواب نياتهم «٣».
إلا أن ابن حجر فصل القول بين القاعدين من أولي الضرر وغير أولي الضرر من المؤمنين، وحاصل قوله: (إن الله فضل المجاهدين على غير أولي الضرر من المؤمنين، أي أن المفضل عليه غير أولي الضرر، وأما أولو الضرر فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نياتهم) «٤».
والدليل على ما ذكره ابن حجر، حديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ:
(إن بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم، حبسهم العذر) «٥».
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٩٥).
(٢) شرح النووي لصحيح مسلم: ١٣/ ٤٢.
(٣) ينظر: شرح النووي: ١٣/ ٤٢؛ تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٤.
(٤) فتح الباري: ٨/ ٣٣٢.
(٥) صحيح ابن حبان، ذكر تفضل الله جل وعلا على القاعد والمعذور، رقم الحديث (٤٧٣١): ١١/ ٣٣؛ سنن ابن ماجة، كتاب الجهاد، باب من حبسه العذر عن الجهاد، رقم (٢٧٦٤): ٢/ ٩٢٣؛ مسند أحمد، رقم (١٣٢٥٩): ٣/ ٢١٤؛ مسند أنس بن مالك ﵁.
[ ٩٤ ]
وقال ابن حجر: فأفهمت إدخالهم في الاستواء «١»، لأن المراد منه استواءهم في أصل الثواب، لا في المضاعفة لأنها تتعلق بالفعل «٢».
وفي الحديث أيضا دلالة على أن أصل الجهاد فرض كفاية وليس فرض عين، قال الإمام النووي: (والصحيح أنه لم يزل فرض كفاية من حين شرع، وهذه الآية ظاهرة في ذلك لقوله تعالى: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا «٣». وقد يكون فرض عين على من تعين عليه الجهاد، أو في حالة مداهمة العدو لديار المسلمين ما في أيامنا هذه.
وفي الحديث أيضا جواز كتابة القرآن في الألواح والأكتاف، وفيه طهارة عظم المذكى، وجواز الانتفاع به «٤»، وكذلك اتخاذ الكاتب وتقريبه «٥».
قوله: (وشكا ابن أم مكتوم ضرارته)، قال الترمذي: ويقال: عمرو ابن أم مكتوم، ويقال: عبد الله ابن أم مكتوم، وهو عبد الله بن زائدة، وأم مكتوم أمه) «٦». واسم أمه: عاتكة، وكان أعمى «٧».