قوله: (إلا ما بين الدفتين): ليس المراد منه ترك القرآن مجموعا بين الدفتين، لأن ذلك يخالف ما قام به أبو بكر من جمع القرآن، ثم عثمان ﵄. وإنما لم يترك إلا ما في المصحف، الذي هو القرآن الكريم.
قال ابن كثير: ومعناه أنه ﵇ ما ترك مالا ولا شيئا يورث عنه، كما قال عمرو بن الحارث «٢» أخو جويرية: (ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ) «٣» الحديث.
وهذا ما توضحه رواية الإسماعيلي: (شيئا سوى القرآن) «٤»، أي ما ترك شيئا من مال أو غيره سوى هذا المصحف الذي هو بين اللوحين.
ومن الأدلة الأخرى التي تبين أن النبي ﷺ ما ترك مالا ولا شيئا يورث ما جاء في الحديث الذي يرويه أبو الدرداء ﵁: (العلماء ورثة الأنبياء، إن
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب من قال: لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين، رقم (٤٧٣١): ٤/ ١٩١٧.
(٢) عمر بن الحارث بن أبي طرار الخزاعي المصطلقي أخو جويرية أم المؤمنين، صحابي قليل الحديث، بقي إلى الخمسين. ينظر: تهذيب الكمال: ٢٠/ ٥٦٩؛ تقريب التهذيب: ١/ ٤١٩.
(٣) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، رقم (٤١٩٢): ٤/ ١٦١٩.
(٤) فتح الباري: ٩/ ٨٠.
[ ٩٦ ]
الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما أورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) «١».
قال ابن عباس ﵄: (إنما ترك ما بين الدفتين) يعني القرآن، والسنة المفسرة له ومبينة وموضحة، أي تابعة له، والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا «٢»، وهذا فيه رد أيضا على ما اختلقه الروافض من ادعاء التخصيص على إمامة علي ﵁، واستحقاقه الخلافة عند موت النبي ﷺ كان ثابتا في القرآن، وأن الصحابة كتموه، وهي دعوى باطلة، لأن الصحابة لم يكتموا مثل قوله ﵊: (أنت عندي بمنزلة هارون من موسى) «٣»، وغيرها من الظواهر التي قد يتمسك بها من يدعي تخصيص سيدنا علي بالإمامة دون غيره من الصحابة «٤».
وجاء في حديث عن علي ﵁: (ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة) «٥».
فالإمام علي ﵁ أراد الأحكام التي كتبها عن النبي ﷺ، وهذا ما توضحه الرواية الأخرى في صحيح البخاري أيضا والتي يرويها بسنده عن أبي جحيفة «٦»
_________________
(١) سنن الترمذي: رقم (٢٦٨٢): ٥/ ٤٧، وهو من حديث طويل في فضل الفقه على العبادة، وقال عنه الترمذي: وهذا أصح من حديث محمود بن خداش، ورأي محمد بن إسماعيل هذا أصح؛ ورواه الإمام أحمد في مسنده، برقم (٢١٧٦٣): ٥/ ١٩٦؛ والدارمي في سننه، برقم (٣٤٢): ١/ ١١٠.
(٢) سورة فاطر، الآية (٣٢)؛ وينظر: فضائل القرآن لابن كثير: ٥١ - ٥٢.
(٣) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل علي بن أبي طالب ﵁، رقم (٣٥٠٣): ٣/ ١٣٥٩؛ صحيح مسلم، رقم (٢٤٠٤): ٤/ ١٨٧٠.
(٤) فتح الباري: ٩/ ٨٠.
(٥) صحيح البخاري، أبواب الجزية والموادعة، رقم (٣٠٠١): ٣/ ١١٥٧.
(٦) أبو جحيفة: هو وهب بن عبد الله السوائي الكوفي من صغار الصحابة، مات النبي ﷺ
[ ٩٧ ]
قال: (قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم. وما في هذه الصحيفة، قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير. ولا يقتل مسلم بكافر) «١».
وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت- ولا سيما عليا ﵁- أشياء من الوحي خصهم النبي ﷺ بها لم يطلع غيرهم عليها، وهذا ما تؤيده الرواية الأخرى في صحيح البخاري في موضع آخر من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه قال: (خطب علي على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة، فقال: ثم والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله. وما في هذه الصحيفة. فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل و
الحديث) «٢». وأما جواب ابن عباس وابن الحنفية ﵃، فإنما أرادا من القرآن الذي يتلى، أو أرادا ما يتعلق بالإمامة، أي لم يترك شيئا يتعلق بأحكام الإمامة إلا ما هو بأيدي الناس «٣».