قال الإمام النووي: (اختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي، فقيل: هو في حق من يوثق بحفظه، ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث: (اكتبوا
_________________
(١) البرهان: ١/ ٢٣٨.
(٢) ينظر: مباحث في علوم القرآن لمناع القطان: ١٢٤.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الزهد، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، رقم (٢٤٩٣): ٤/ ٢٢٩٨؛ ورواه الإمام أحمد في مسنده أيضا: ٣/ ١٢، ٣/ ٣٩؛ وكذا رواه الحاكم في المستدرك: ١/ ١٢٦ - ١٢٧، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قلت: أخرجه الإمام مسلم في كتاب الزهد، كما ذكرنا نصه أعلاه.
[ ١٠٢ ]
لأبي شاه) «١»، وحديث صحيفة علي ﵁ «٢»، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر ﵁ أنسا ﵁ حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة: (أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب)، وغير ذلك من الأحاديث.
وقيل: عن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة.
وقيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيه فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة، والله أعلم) «٣».
فمن خلال هذه الآراء التي ذكرها الإمام النووي يتبين: أن رسول الله ﷺ منع أصحابه- في بداية الأمر- من تدوين الأحاديث، وذلك حتى يتسع المجال أمام القرآن، ويأخذ مكانه من الحفظ والكتابة معا، وحتى يثبت في صدور الحفاظ، وتألفه أسماعهم، وبذلك يزول خطر الالتباس، وقد كان الصحابة ﵃ على جانب عظيم في الحفظ، فلم يكن هنالك خوف على السنن من الضياع.
وشيء آخر جعل النبي ﷺ ينهاهم عن كتابة الحديث: هي المحافظة على تلك الملكة التي امتازوا بها في الحفظ، فلو أنهم كتبوا لا تكلوا على المكتوب وأهملوا الحفظ. فتضيع ملكاتهم بمرور الزمن. أضف إلى هذا أن الكتابة لم تكن منتشرة فيهم، ولم يكونوا أتقنوها حتى تحل محل الحفظ، ولو أنهم كتبوا الحديث
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب اللقطة، رقم (٢٣٠٢): ٢/ ٨٥٧.
(٢) ينظر: دراسة الحديث السادس السابق ص ٩٧ و٩٨.
(٣) شرح النووي لصحيح مسلم: ١٨/ ١٣٠.
[ ١٠٣ ]
لوقع الناس في حرج عظيم والتبس عليهم أمر السنة والكتاب «١».
وبقي أن نقول: كيف نوفق بين أحاديث النهي عن كتابة السنة والإذن فيها؟
* فقد روى الإمام البخاري في صحيحه: أن النبي ﷺ قال: (اكتبوا لأبي شاه) «٢»، يعني الخطبة التي سمعها من النبي ﷺ يوم فتح مكة.
* وفي حديث أبي هريرة أيضا أنه قال: (ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب) «٣».
على غير ذلك من الآثار الدالة على إباحته ﷺ كتابة الحديث عنه، وهي بظاهرها تتعارض مع حديث أبي سعيد في النهي عن ذلك: (لا تكتبوا عني ) «٤».
والجواب على هذا التعارض: أن النهي كان خاصا بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن بالكتابة كان في غير ذلك الوقت، أو أن النهي كان عن كتابة غير القرآن مع القرآن في صحيفة واحدة، والإذن كان بكتابة ذلك متفرقا يؤمن الالتباس، أو يقال: كان النهي عن الكتابة متقدما لخوف التباس القرآن بالحديث أو لخوف الاتكال على الكتابة- كما ذكرنا- وإهمال الحفظ أو غير ذلك، وكان الإذن متأخرا ناسخا للنهي السابق عند أمن اللبس أو عدم
_________________
(١) ينظر: الحديث والمحدثون، لمحمد أبي زهرة، أحد علماء الأزهر:
(٢) ١٢٣؛ وينظر: المبحث الثاني من هذا الفصل: ٢٢ - ٢٣.
(٣) صحيح البخاري، كتاب اللقطة، باب كيف نعرف لقطة أهل مكة، رقم (٢٣ - ٢): ٢/ ٨٥٧.
(٤) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، رقم (١١٤): ١/ ٥٤.
(٥) ينظر: الحديث والمحدثون لمحمد أبي زهرة: ١٢٣.
[ ١٠٤ ]
الخوف من الاتكال على المكتوب «١».
والدليل على أن النبي ﷺ أذن لهم بالكتابة: ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه قال: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده .. الحديث) «٢».
فقد هم النبي ﷺ أن يكتب لأصحابه كتابا حتى لا يختلفوا من بعده، والنبي ﷺ لا يهم إلا بحق، فهذا منه ﷺ نسخ للنهي السابق في حديث أبي سعيد «٣»، والله أعلم.