أما في اللغة: فقد قال ابن منظور: هو إعلام في خفاء، ولذلك صار الإلهام يسمى وحيا «٣». وقال الراغب الأصفهاني: أصل الوحي الإشارة السريعة «٤». وإن السرعة والخفاء من سمات الوحي ومزاياه. وقال الآلوسي:
_________________
(١) ينظر: الإتقان في علوم القرآن: ١/ ٩٨؛ ومحاضرات في علوم القرآن، د. غانم قدوري: ٣٠.
(٢) سورة الشورى، الآية (٥١).
(٣) ينظر: لسان العرب لمحمد بن منظور الإفريقي المصري، مادة (وحي): ٤/ ٢٠٠.
(٤) ينظر: المفردات في غريب القرآن: ٨٥٨؛ وينظر: تاج العروس من جواهر القاموس، لمحمد مرتضى الزبيدي: ١٠/ ٣٨٤.
[ ٢١ ]
الوحي أصله التفهيم، وكل ما فهم به شيء من الإلهام والإشارة والكتب فهو وحي «١».
أما الوحي في الشرع: فقد قال الأنباري: إنما سمي وحيا لأن الملك أسره على الخلق وخص به النبي ﷺ الذي بعثه الله إليه «٢». والوحي بمعنى آخر:
هو كلام الله تعالى المنزل على نبي من أنبيائه والذي يلقيه الله إلى ملائكته من أمر ليفعلوه، كما قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا «٣».
وقال الزرقاني: الوحي هو أن يعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كل ما أراد اطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سوية خفية غير معتادة للبشر «٤».
وزبدة القول إن الوحي شرعا: إلقاء الله الكلام أو المعنى في نفس الرسول أو النبي بخفاء وسرعة بملك أو بدون ملك «٥».
وقد بين النبي ﷺ الكيفية التي يلقي بها الملك الوحي إليه، وشهد الصحابة ﵃ حالة النبي ﷺ لحظة التلقي ووصفوها، فمن ذلك ما رواه ابن سعد في طبقاته والإمام أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي كرب له «٦».
_________________
(١) ينظر: روح المعاني للآلوسي: ٢٧/ ٥٢.
(٢) ينظر: لسان العرب: ٤/ ٢٠٠؛ تاج العروس: ١٠/ ٣٨٤ - ٣٨٥؛ مختار الصحاح: ٧١٣.
(٣) سورة الأنفال، الآية (١٢)؛ وينظر: مباحث في علوم القرآن لمناع القطان: ٣٣.
(٤) ينظر: مناهل العرفان: ١/ ٦٣.
(٥) ينظر: كتاب وحي الله للدكتور حسن ضياء عتر: ٩٠.
(٦) مسند الإمام أحمد، حديث عبادة بن الصامت ﵁، حديث رقم (٢٢٧٥٥):
[ ٢٢ ]
ولا يدع رسول الله ﷺ مجالا للشك في شدة يقظته ووعيه في لحظة تلقي القرآن من جبريل، كما جاء في الحديث الذي يرويه الإمام البخاري في صحيحه،
(عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا، فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا) «١».
فكانت همته ﵊ بادئ ذي بدء بعد انقطاع الوحي منصرفة إلى أن يحفظه ويستظهره، ثم يقرؤه على الناس على مكث ليحفظوه ويستظهروه «٢»، فقد كان رسول الله ﷺ يتعجل- في بادئ الأمر- في حفظ القرآن، فيسابق جبريل ﵇ وهو يلقي إليه القرآن ساعة الوحي، فيردد الآيات قبل أن ينتهي الملك من الوحي مخافة أن ينسى منه شيئا، وكان ذلك مما يشق عليه ﷺ، فجاء القرآن يطمئنه في أول الطريق، وينهاه عن تلك العجلة، فقال تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي
_________________
(١) - ٥/ ٣١٧.
(٢) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى الرسول ﷺ، حديث رقم (٢): ١/ ٤.
(٣) ينظر: مناهل العرفان: ١/ ٢٤٠؛ ومباحث في علوم القرآن، د. صبحي الصالح: ٢٨؛ والوحي وإفك المفترين، مقال للدكتور قحطان عبد الرحمن الدوري، في مجلة الرسالة الإسلامية، العددان: ١٢١، ١٢٢، محرم وصفر ١٣٩٩ هـ.
[ ٢٣ ]
عِلْمًا «١».
وجاءت آيات أخرى تؤكد أن حفظ القرآن مكفول للنبي ﷺ، قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) «٢».
وكانت ثمرة ذلك التمكين لحفظ القرآن، وهذه المدارسة له بين رسول الله ﷺ وجبريل ﵇ أن حفظ رسول الله ﷺ القرآن حفظا لا حظ للنسيان فيه. كما جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام البخاري عن ابن عباس ﵄ إذ يقول: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن) «٣». قال مجاهد: (كان رسول الله ﷺ يتذاكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى، فقال الله ﷿: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦» «٤».
فقرأ رسول الله ﷺ القرآن على أصحابه، فكان بعضهم يكتبونه وآخرون يحفظونه، وأدوه إلى من جاء بعدهم من أجيال المسلمين، وظل القرآن محفوظا كما تلقاه الصحابة من رسول الله ﷺ حتى يومنا هذا، وعن عبد الله بن مغفل ﵃ أنه قال: (رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح) «٥».
_________________
(١) سورة طه، الآية (١١٤).
(٢) سورة القيامة، الآيات (١٦ - ١٩).
(٣) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب أجود ما كان النبي ﷺ يكون في رمضان، حديث رقم (١٨٠٣): ٢/ ٦٧٢؛ وينظر: فضائل القرآن لابن كثير: ٤٤.
(٤) سورة الأعلى، الآية (٦)؛ وينظر: تفسير مجاهد: ٧٥٢؛ ومحاضرات في علوم القرآن، د. غانم قدوري: ٣٧.
(٥) صحيح مسلم، كتاب فضائل القرآن وما يتعلق به، باب ذكر قراءة النبي ﷺ سورة
[ ٢٤ ]
وجاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵃ أنه قال: (قال لي النبي ﷺ:
اقرأ علي، قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم. فقرأت سورة النساء) «١».