قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿من الشُّهَدَاء أَن تضل﴾ بِفَتْح أَن فَتذكر بِإِسْكَان الذَّال وَفتح الرَّاء
[ ١٤٩ ]
وَقَرَأَ حَمْزَة ﴿أَن تضل﴾ بِكَسْر ﴿إِن﴾ فَتذكر بتَشْديد الْكَاف وَرفع
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أَن تضل﴾ بِفَتْح ﴿إِن﴾ ﴿فَتذكر﴾ بِالتَّشْدِيدِ وَنصب الرَّاء
فَمن فتح فَلِأَن الْمَعْنى عِنْد الْفراء لِئَلَّا تضل إِحْدَاهمَا فتذكرها الْأُخْرَى
وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ إِنَّمَا فتح أَن لِأَنَّهُ أَمر بِالشَّهَادَةِ الْمَعْنى اسْتشْهدُوا امْرَأتَيْنِ لِأَن تذكر إحدهما الْأُخْرَى من أجل أَن تذكر فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ جَازَ أَن تَقول تضل وَلم يعد هَذَا للإضلال فَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا ذكر ﴿أَن تضل﴾ لِأَنَّهُ سَبَب الإذكار كَمَا يَقُول الرجل أَعدَدْت الْخشب أَن يمِيل الْحَائِط فأدعمه وَهُوَ لَا يطْلب إعداده ذَلِك لميلان الْحَائِط وَلكنه أخبر بالشَّيْء الَّذِي الدعم بِسَبَبِهِ
وَأما حَمْزَة فَإِنَّهُ جعل ﴿إِن﴾ حرف شَرط وَتضِل جزم بِالشّرطِ وَالْأَصْل إِن تضلل فَلَمَّا أدغمت اللَّام فِي اللَّام فتحت لإلتقاء الساكنين كَقَوْلِه ﴿من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه﴾ وَالْفَاء جَوَاب الشَّرْط وتذكر فعل مُسْتَقْبل لِأَن مَا بعد فَاء الشَّرْط يكون الْفِعْل فِيهِ مستأنفا كَقَوْلِه وَمن عَاد فينتقم الله مِنْهُ
وَحجَّة من قَرَأَ ﴿فَتذكر﴾ بِالتَّخْفِيفِ حَكَاهَا الْأَصْمَعِي عَن أبي
[ ١٥٠ ]
عَمْرو قَالَ أبوعمرو إِذا شهِدت الْمَرْأَة على شَهَادَة ثمَّ جَاءَت الْأُخْرَى فَشَهِدت مَعهَا أذكرتها أَي جَعلتهَا ذكرا لِأَنَّهُمَا تقومان يَعْنِي صَارَت الْمَرْأَتَانِ كذكر وَكَذَا رُوِيَ عَن أبي عَيْنِيَّة
وَحجَّة أُخْرَى وَهِي أَنَّك تَقول أذكرت النَّاسِي الشَّيْء حَتَّى ذكره وأذكرتك مَا قد نسيت وَلَا تَقول ذكرته وَإِنَّمَا تَقول ذكرته فِي الموعظة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَذكر فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَالَ ﴿وَذكرهمْ بأيام الله﴾
وَحجَّة التَّشْدِيد أَنَّهُمَا لُغَتَانِ وتأويله فَجعل الله الْمَرْأَتَيْنِ بِإِزَاءِ رجل لضعفما وَضعف عُقُولهمْ ولمزية الرِّجَال على النِّسَاء وَفضل رَأْيهمْ إِن لم يكن الشَّاهِدَانِ رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ فَمَتَى نسيت إِحْدَاهمَا ذكرتها الْأُخْرَى تَقول تذكري يَوْم شَهِدنَا فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا فَجعل بدل رجل امْرَأتَيْنِ